باب ناظور-توفيق السليماني

في هذا الكتاب القيم والعميق تحت عنوان: «تاريخ المغرب»، تنبش قيدومة الباحثين الإسبان، ماريا روسا دي ماداراياغا، في تاريخ المغرب ومنطقة الريف. الباحثة التي ألفت العديد من الكتب حول الريف، تقدم تحليلا عميقا حول التطورات السياسية والاجتماعية الثقافية التي شهدتها المملكة منذ الاستقلال، بالاعتماد على تجربة مثقفة عايشت نضال رفاقها المغاربة من أجل الحصول على الاستقلال مع الملك محمد الخامس، والحركات الاجتماعية والانقلابات العسكرية في عهد الملك الحسن الثاني، وفشل إدخال المغرب إلى مصاف الدول الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية مع الملك محمد السادس.

قيلت ورويت الكثير من القصص حول القمع الفظيع لانتفاضة الريف من قبل الجنرال أوفقير وولي العهد مولاي الحسن. واحدة منها تكفي لإظهار درجة القسوة التي بلغها الرجلان. إذ بعد تأكد مولاي الحسن من السيطرة على الوضع، نزل من المروحية، ووجد نفسه أمام أسرى راكعين. في الحقيقة، كان ولي العهد رحيما بهم، فأمرهم بالنهوض والانصراف، لكن أوفقير كان قد دس في «قب» جلباب أحد الأسرى قنبلة دون تأمين على وشك الانفجار، فتمزقوا إلى أشلاء. كما كانت تُبقر بطون الحوامل بالحربة العسكرية.
من أجل ماذا الاستمرار في كل هذا الرعب؟ الكثير من الضحايا وعائلاتهم نددوا بعد 45 عاما بهذه المعاناة في جلسات عمومية، في إطار هيئة الإنصاف والمصالحة التي أسسها الملك محمد السادس في يناير 2004. وعلى الرغم من صعوبة تقديم حصيلة للقمع في الريف ما بين 1958 و1659، فإن عدد الضحايا في صفوف المدنيين، بسبب القصف الجوي، يقدر بعدة آلاف من القتلى والجرحى. في غضون ذلك، كان جيش التحرير في الجنوب قد تعرض للتصفية. إذ اقتصر دوره، بعدما التحق به بعض المقاتلين من مختلف المناطق المغربية، على الاستمرار في معركته ضد الجيش الإسباني في الصحراء. وكان السلطان، الذي تحول إلى ملك يوم 15 غشت 1957، يواجه معضلة خطيرة، حيث كان من الصعب عليه إدانة تحركات جيش التحرير، نظرا إلى أن جميع الأحزاب والنقابات والجمعيات المغربية كانت تعتبر الصحراء جزءا لا يتجزأ من المغرب وليس موريتانيا.
ولا ننسى، في هذا الصدد، مطالب حزب الاستقلال، في شخص زعيمه علال الفاسي، الذي كان يرى أن حدود المغرب تمتد إلى نهر السنغال. ما يطرح سؤالا وجيها: «كيف ينتقد جيش التحرير ويدعو إلى حله في الوقت الذي يحارب فيه هذا الجيش من أجل استرجاع الأراضي التي يعتبرها أغلبية المغاربة ملكا لهم؟»، لذلك، وجد الملك نفسه في وضع صعب، فيما أقنعته فرنسا بضرورة التدخل. ورغم أن أراضي الصحراء وموريتانيا كانت تبدو صحراوية، فإن باطنها غني بالفوسفاط ومعدن الحديد، ومن أجل استغلال تلك الثروات كانت المجموعات المالية الدولية مستعدة للاستثمار فيها. يتقدم تلك المجموعات بنك باريس وبنك بلاد الباسك (باريباس)، وكان شرطها الواحد والوحيد هو الأمن فقط، لأن رؤوس الأموال الضرورية لن تصل إلى الصحراء في حال عدم استتباب الأمن. وبالأخذ بعين الاعتبار توغل جيش التحرير في موريتانيا، لم يكن هناك خيار آخر غير تصفيته. وبما أنها كانت غارقة في حرب الجزائر، فقد ضربت فرنسا عصفورين بحجر واحد، وذلك بتطهير التخوم الصحراوية من آلاف المقاتلين المؤيدين للمقاومة الجزائرية.
ووقفا للسلطات المغربية، نظم الفرنسيون والإسبان، في يناير 1958، عملية الإعصار، التي سيطلق عليها فيما بعد «Ecouvillo-Teide»، حيث قام، في فبراير من السنة نفسها، 15 ألف جندي، بحماية جوية من مائة طائرة حربية، بتفعيل عملية «تطهير» الصحراء.