الحلقة الثانية

تشير الساعة إلى الحادية عشر ليلا، والطائرة تقترب من محطة الهبوط بمطار بن غوريون، أكبر وأقدم مطار بالمنطقة تم إنشاؤه منذ الانتداب البريطاني سنة 1936 على أراضي اللد، حمل اسم بن غوريون سنة 1973، تخليدا لاسم دافييد بن غوريون، أول رئيس لهذه الدولة التي تم إنشاؤها على أنقاض فلسطين ودول أخرى من المنطقة سنة 1948. وهو المطار الذي استطاعت منظمة حماس أن تقصفه سنة 2014 في عمليتها التي سمتها “العصف الماكول”.

تبدو المدن من أعلى مضيئة أكثر كجواهر غالية، وخطوط صفراء رفيعة تربط هذه التجمعات الضوئية، مما يزيدها جمالا من الأعلى. يقول لي صديقي إن جميع الطرق مضاءة في إسرائيل، حتى تلك التي تربط مدينة بأخرى.

في المطار لم تكن هناك إجراءَات غير عادية كما توقعت. كل شيء مر سريعا، عكس مطاراتنا حيث يتحول السفر إلى قطعتين من الجحيم بدل واحدة.

بعد المُرور من بوابة التفتيش، سألتني آخر موظفة في المطار بالإنجليزية عن سبب زيارتي إلى إسرائيل، وكم من مدة سأقضي فيها، وإذا كنت جئت وحيدا أم مع مجموعة، ثم إن كانت هذه أول مرة أزور فيها البلد. خمنت أنها عربية، لذلك أجبتها في الأول بالعربية، لكنها لم تتجاوب معي. أجبت على أسئلتها بالإنجليزية، مع ذلك ما زلت متيقنا أنها تثقن اللغة العربية وترفض الحديث بها.

أجبت على المطلوب، وأجرت هي مكالمة هاتفية قصيرة، كانت تتحدث بالعبرية وهي تنظر إلى جواز سفري، لم أفهم غير كلمات الشكر والذوقيات التي سبق أن تعلمت بعضها عندما فكرت في زيارة هذه البقاع مثل “شلوم، مَاشْلُومْخَا، تودا رَابَا، سْلِيخَا، ڤيڤاكَاشا…”

سلمتني الفتاة جواز سفري دون أن تطبع عليه شيئا، مع ورقة صغيرة مفتوحة الزُّرقة بها معلوماتي وصورتي. لم توصيني خيرا بهذه البطاقة الصغيرة، لكنني علمت مسبقا من صديق سبق له أن كان هنا أنها ورقة مهمة، تعادل البطاقة الوطنية في هذه البلاد، ثم إنني رأيت مثلها في روسيا، يسلمونها لك عندما تدخل بلادهم ثم يسترجعونها عندما تريد المغادرة.

ثم توجهت مباشرة نحو فندق في القدس، لا يبعد كثيرا عن المسجد الأقصى، ويحمل اسم هذه المدينة العريقة التي تقدسها جميع الأديان. لم أصدق نفسي، أخيرا سأدخل من باب المغاربة، وألج المسجد الأقصى وأصلي فيه ما تيسر، وألتقط صورا قرب تلك القبة التي تظهر في نشرة الأخبار، وأعرج على حائط المبكى، ثم كنيسة القيامة وكنيسة مريم…

نمت نوما رحيما في غرفة مطلة على محطة ترام، لكن الضجيج لم يكن كثيرا، فالليلة ليلة سبت، والحركة تتعطل تقريبا في مجمل تراب إسرائيل هذا اليوم؛ إذ يحتل اليهود بالسباط، والكل في عطلة، كل المحلات مغلقة، ما عدا الفنادق، وغالبية الذين يشتغلون في مطابخها من الفلسطينيين من عرب الداخل، كل الأبناك، وكل المؤسسات التابعة للدولة أو للخواص، حتى شركة الطيران الإسرائيلي لا تقوم بأية رحلة يوم السبت.

كنت أفكر أن أذهب مباشرة عندما أستيقظ إلى المسجد الأقصى في القدس، كان لدي حلم قديم بأن أزور ذلك المكان، وأرى تلك القبة التي أراها في وسائل الإعلام مقرونة بالحروب والدمار والأدخنة المتصاعدة، وغالبا ما ترتبط في ذهني بأطفال الحجارة. لكن صديقا مغربيا اقترح عليّ السفر شمالا حتى الحدود مع لبنان.

لم أُخبره بِحُلمي القديم، بعدما أكد لي أنه اتفق مع سائق سيارة أجرة من عرب 48، وسيأخذنا إلى هناك، وأن صديقة يهودية من مواليد الدار البيضاء أصرت على أن نزورها، لترينا معالم مدينة حيفا وعكا، وتُعرّفنا على مغاربة مهمين ما يزالون يحتفظون بذلك الحنين الغريب الذي يربط الناس بموطن ميلادهم، حتى وهم قد غادروه قبل أن يعوا ما حولهم.

كان سائق السيارة يدعى صبري، قدم لنا نفسه، يتحدث بأدب ولباقة نفتقدهما عند الكثير من سائقي سيّارات الأجرة في بلدي.

لمّا علم بكوننا من المغرب اقترح علينا جولة بالسيارة بالقدس قبل السفر شمالا، كان عدد السيارات التي تعبر شوارع المدينة صباحا قليل جدا. وأشار بيده إلى مناطق يمنع على السيارات المرور منها يوم السبت، وإلا سيرميك اليهود المتشددون بما يستطيعون.

كانت تلك الشوارع تعرف حركة دؤوبة للراجلين، من اليهود الذاهبين لأداء مناسكهم الدينية، يهود بلباس أسود وقبعات، ومعاطف طويلة رغم الحر، ويهود سود من إثيوبيا متجهين زُرافات نحو أماكن تعبدهم.

كانت البنايات كلها بالحجر المقدسي المائل إلى الاصفرار، ولم أر ولو بناية واحدة مصبوغة، كما أن جميع العمارات والتجمعات السكنية لا تلتصق ببعضها، وهناك دائما مسافة معقولة بين البناية والأخرى.

توقف عند باب من أبواب المسجد الأقصى، وقال هذا هو باب المغاربة.

لم ننزل من السيارة، فالوقت لا يسمح، وأمامنا طريق طويل والعودة إلى الفندق في الليل، ثم إن هذه الزيارة السريعة هدية من هذا السائق الطيب المولود نواحي القدس، عربون محبة له للمغاربة كما قال.

كان الباب محروسا من قِبَل جندية إسرائيلية، وسياح يعبرون “بابنا” نحو المسجد الأقصى، وآخرون يخرجون منه، اكتفيت بالتقاط صور للباب من نافذة السيارة، ثم واصلنا رحلتنا نحو مدينة حيفا.

اتجهنا عبر الطريق السيار رقم 6، الذي يسمى هنا “شارع رقم 6″، طريق واسع مخصص لأربع عربات في كل اتجاه، وفي مقاطع أخرى لثلاث فقط. إلا أن الدفع لا يتم عبر محطات الأداء كما هو الشأن في الطرق السيارة في المغرب، بل إن السائقين يتوصلون عبر عنوان سكنهم بما يتوجب عليهم دفعه، بعد أن يتم تسجيل ترقيم السيارات التي استعملت شارعا سريعا من طرف كاميرات متخصصة. طوال الطريق كان السائق يتحدث عن معالم الطريق التي نمر منها، وأسماء القرى والمدن التي نصادفها في طريقنا، والأنشطة التي تمارسها الساكنة في هذه المنطقة وتلك.

سألتُه: هل أنت فلسطيني؟ ربما كان سؤالي متسرعا، وكان يجدر بي أن أمنحه وقتا أكثر ليتحدث عن نفسه، فالرحلة ستكون طويلة، على مسافة ما يزيد عن 200 كيلومتر للوصول نحو حيفا، ثم ما يزيد عن ذلك للوصول إلى الحدود مع لبنان، حيث يرابط الجنود من الجانبين في المعبر المغلق المسمى رأس الناقورة. كانت إجابته توحي بأزمة هوية حقيقية لدى معظم سكان القدس.

ــ “أنا مقدسي، مقيم بإسرائيل، وليست لدي جنسية إسرائيلية”.

علمت من خلال حديثه أنه يقطن في الأحياء الموجودة في شرق القدس التي استعمرتها إسرائيل سنة 1967؛ إذ ينتمي للساكنة التي تنعت بفلسطينيي الداخل، وهم مواطنون أغلبهم لم يحصل على الجنسية الإسرائيلية، ويسجل في بطائقهم عبارة “مقيم دائم”. وإن كان يتمتع بالكثير من الحقوق التي يستفيد منها حاملو الجنسية الإسرائيلية، إلا أنه محروم من بعض الامتيازات كمزاولة بعض المناصب السامية في الدولة.

ورغم أن أغلب ساكنة هذه الأحياء تعتبر نفسها مرابطة في سبيل الله كي لا تترك هذه الرقعة لليهود، فإن صُبحي يؤكد أنه مع ذلك لم يُعامل بشكل لائق عندما ذهب إلى الحج مع زوجته، عكس الفلسطينيين الذين يلقون ترحيبا ومعاملة “خمس نجوم”، بتعبيره، فيما كان الكثير من الانتظار والمماطلة رفيقيه خلال رحلة الحج.

أما داخل إسرائيل ففرق كبير بين حامل الجنسية والمقيم على شاكلة صبحي. أول هذا التمييز وجود مكان واحد فقط في كل التراب الإسرائيلي، في وادي الجوز، لاستصدار أو تجديد بطاقة هوية بالنسبة للمقدسيين “المقيمين”، رغم أنهم سكان القدس الأصليون؛ إذ ينتظرون في طوابير طويلة، حتى الثالثة مساءً، وقد لا تشملهم الخدمة فيعودون غدا لقضاء اليوم أيضا في الانتظار، في حين إن حاملي الجنسية وأولادهم يستطيعون استصدار بطائقهم في مكاتب أمنية كثيرة منتشرة في كامل أرجاء البلاد.

في جنبات الطريق ضيعات كبيرة للمانغا والزيتون والليمون ومزارع للأبقار، قال صُبحي إن كثيرها في ملكية الدروز الذين كانوا من أتباع النبي شعيب، وهم طائفة مسلمة تؤمن بالولاء للدولة، يوجدون في دول كثيرة، يعيشون شمال الأراضي المحتلة ويحملون الجنسية الإسرائيلية ويشتغلون في الجيش ويدافعون عن إسرائيل.

اغتنمت فرصة حديثه عن ضيعات الفواكه والخضر لأسأله عن أثمنتها في السوق، فقال إن الرمان ثمنه 5 شيڭل للكيلوغرام الواحد، (14 درهم مغربية تقريبا)، والبرتقال 3 شيڭل (8 دراهم)، والمشمش في بداية نضجه يصل ثمنه إلى 15 شيڭل (40 درهم)، والفراولة القادمة من غزة ثمنها 10 شيڭل (27 درهم)، والدلاح بثمن 2.5 شيڭل (7 دراهم للكيلوغرام)، والعنب بين 7 و10 شيڭل (أي بين 18 و27 درهما)، والتفاح يأتي من الشمال بثمن بين 10 و20 شيكل (بين 27 و54 درهما للكيلو).

ولحم العجل بثمن 60 شيكل (160 درهما للكيلو)، والخروف بـ80 شيكل (أي 212 درهم للكيلو)، هذا في المناطق الواقعة تحت النفوذ الإسرائيلي. أما داخل مناطق السلطة الفلسطينية، فإن الثمن أقل؛ إذ يبلغ ثمن كيلوغرام من لحم العجل 50 شيڭل (أي 133 درهم تقريبا)، بينما ثمن كيلوغرام من لحم الخروف 70 شيڭل (أي 185 درهما). ثم أكد لي أن مناطق السلطة ترفع الأثمنة خلال الأعياد والمناسبات، في الوقت الذي تخفض فيه المراكز التجارية الكبرى بإسرائيل أثمنة موادها خلال الأعياد.

ولا يستوي الحديث عن أثمنة المواد الغذائية دون الحديث عن الرواتب والأجور، حتى نتمكن من أخذ فكرة عامة عن القدرة الشرائية في هذا البلد.

متوسط الأجور في إسرائيل سنة 2016 مثلا بلغ 10021 شيڭل (26555 درهم تقريبا)، بينما الحد الأدنى للأجور (السميڭ) هو 4825 شيكلاً أي (12 ألفا و786 درهما مغربيا).

وأستاذ السلك الابتدائي يتقاضى بين 5 آلاف و6 آلاف شيكل، (بين 14 ألف درهم، و17 ألف درهم). يتقاضى الجامعي 15000 شيكل، ورجل الأمن 8000 شيكل، والطبيب 10 آلاف شيكل.