يونس مسكين

في الساعات الأولى التي تلت عملية التصويت ضد “موروكو 2026″، كان بلاغ رسمي يصدر عن الديوان الملكي بالرباط، معلنا حدوث اتصال هاتفي بين الملك محمد السادس و”الخصم” الأول للمحمدين، بن زايد وبن سلمان، أي الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني. “خلال هذا الاتصال الهاتفي، أبلغ الشيخ تميم جلالة الملك دعم قطر الكامل للمغرب في حال تقدم المملكة بترشيحها لتنظيم مونديال 2030”.

أزمة حقيقية وفورية وغير مسبوقة من نوعها تلك التي أطلت برأسها منذ زوال يوم الأربعاء الماضي، حين تأكد الدور القوي والفعال الذي لعبته المملكة العربية السعودية ومعها الإمارات العربية المتحدة، لقطع الطريق أمام الملف المغربي الذي كان مرشحا للفوز بتنظيم كأس العالم للعام 2026. الأنباء المتواترة التي جاءت من العاصمة الروسية موسكو، أكدت أن الرياض وأبو ظبي لم يكتفيا بالتصويت ضد الملف المغربي ولصالح الملف الأمريكي، بل لعبتا دورا أكبر يتمثل في الحشد والتعبئة ضد الملف المغربي، في إطار صفقة سياسية كبيرة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. الدوري السعودي أسفر عن تصويت 7 دول عربية لصالح الملف الأمريكي، إلى جانب استمالة عدد من الأصوات الآسيوية والإسلامية المرتبطة بمصالح حيوية مع السعودية، فيما كان تحرك هذه الأخيرة ضد المغرب سببا جعل عددا من الاتحادات الكروية الدولية تصوت لصالح الملف الأمريكي باعتباره الملف الذي يرجح فوزه، وبالتالي لا داعي للقيام بتصويت “غير مفيد”.

رد فعل ملكي

في الساعات الأولى التي تلت عملية التصويت تلك، كان بلاغ رسمي يصدر عن الديوان الملكي بالرباط، معلنا حدوث اتصال هاتفي بين الملك محمد السادس و”الخصم” الأول للمحمدين، بن زايد وبن سلمان، أي الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني. “خلال هذا الاتصال الهاتفي، أبلغ الشيخ تميم جلالة الملك دعم قطر الكامل للمغرب في حال تقدم المملكة بترشيحها لتنظيم مونديال 2030″، يقول بلاغ الديوان الملكي، موضحا أن قطر كانت من بين الدول التي صوتت اليوم، لصالح الترشيح المغربي خلال عملية التصويت لاختيار البلد المنظم لكأس العالم.

إشارة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة من نوعها من هذا المستوى في أعلى هرم الدولة المغربية، سوف تؤكدها أخرى صدرت في اليوم الموالي عن الحكومة. وزير الشباب والرياضة رشيد الطالبي العلمي الموجود بالعاصمة الروسية موسكو، خرج ليعبر أنه و”بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ستتقدم المملكة المغربية رسميا لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بطلب احتضان كأس العالم 2030”. ساعات قليلة بعد ذلك، سيصدر بلاغ حكومي آخر، عن وزارة الثقافة والاتصال هذه المرة، يعلن أن “أن وزير الثقافة والاتصال السيد محمد الأعرج لن يشارك في أشغال اجتماع وزراء إعلام دول التحالف لدعم الشرعية في اليمن، الذي سيتم عقده في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية يوم 23 يونيو الجاري، لارتباطات متعلقة بالأجندة”. هكذا، وبداعي “الانشغال” يعلن المغرب وبشكل رسمي غيابه عن اجتماع رسمي في ضيافة العربية السعودية، بعدما كانت هذه الأخيرة قد احتضنت قبل أسابيع قمة عربية صادقت على توصية بدعم الملف المغربي.

مؤشرات هذا الغضب المغربي الرسمي كانت قد ظهرت قبل حسم التصويت في مؤتمر الـ”فيفا”، حيث قامت مديرة الأخبار في القناة الثانية “دوزيم”، والمرأة القوية المعروفة بقربها من دوائر القرار سمير سيتايل، بنشر تدوينة غير معتادة من نوعها مساء الأربعاء. سيتايل بدأت تدوينتها باستعمال وسم خاص يتمثل في ” #تفو”، مضيفة أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تضم ولاية جديدة، في إشارة منها إلى المملكة العربية السعودية.

بنيس: الإمارات أيضا

“الكل يتحدث عن خيانة السعودية للمغرب، وماذا عن خيانة الإمارات العربية للمغرب؟”، يقول الخبير المغربي في العلاقات الدولية سمير بنيس، مضيفا أن “علينا ألا ننسى أن الفضل في وصول محمد بن سلمان إلى السلطة يعود إلى محمد بن زايد آل نهيان وللدور الذي لعبه سفيره وفي واشنطن، يوسف العتيبة، منذ وصول ترامب إلى السلطة من أجل التخلص من ولي العهد السابق محمد بن نايف”. وأوضح بنيس أن محمد بن زايد هو العقل المدبر للحصار المفروض على دولة قطر، “وهو الذي تعاقد مع العديد من مراكز الأبحاث ومكاتب العلاقات العامة من أجل تشويه سمعة دولة قطر في أمريكا وتقديمها على أنها دولة ترعى الإرهاب. ومن أجل تنفيذ مخططه ضد قطر، كان محمد بن زايد يحتاج إلى دعم السعودية. غير أن ولي العهد السابق محمد بن نايف لم يكن ينظر لما يحبكه بن زايد ضد دولة قطر بعين الرضا.

ومن تم قرر بن زايد تكثيف جهوده الدبلوماسية عن طريق سفيره واشنطن، الذي تربطه علاقة قوية مع جارد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، من أجل إقناع هذا الأخير بدعم محمد من سلمان والتخلي عن محمد بن نايف”. ويخلص بنيس إلى أنه و”خلال حديثنا عن خيانة السعودية للمغرب، ينبغي لنا ألا ننسى خيانة الإمارات لنا والمؤامرات التي تحبكها ضد العديد من الدول”.

خبير آخر هو عبدالمجيد بلغزال، قال متسائلا: “لماذا الصدمة؟”. وأوضح بلغزال أنه شخصيا لا يجد أي مبرر لوقع الصدمة الذي خلفه الموقف السعودي لدى بعض المغاربة. “بل لا أخفي حجم صدمتي من مدى تجدر الوهم “الهوياتي” و”الإسلاماوي” لدى أوساط واسعة من المتتبعين. إن شعارات “الإسلام” و”العروبة” و”التاريخ المشترك”، كانت ولازالت مجرد أدوات وهمية يلجأ الحاكم إلى توظيفها باعتباره ظل الله أو الحاكم بأمره، لضمان استمراره ضدا على إرادة الشعوب”. وذهب بلغزال إلى أن نازلة انحياز دول الخليج إلى الملف الأمريكي “شكلت بالنسبة إلي منعطفا إيجابيا بما وفرته من صدمة لكل الذين وقعوا لسنوات تحت طائلة تخدير “العروبة والاسلام”، والتي لم تخدم إلا مصالح

الحكم الجائر المستبد”. وخلص بلغزال إلى أن الأمر يتعلق بلحظة مفصلية “من شأن التقاطها إعطاء ديناميكية جديدة لحركة التحرر من القوالب الماضوية الجاهزة، والتوجه نحو التفكير العقلاني في الأسس والقيم المشتركة، التي من شأنها بناء تجمعات عقلانية تقوم على قواعد الدولة المدنية، التي تحتل فيها إرادة الشعب، الأولوية في صناعة القرار…”.

تداعيات الثورة المضادة

نكسة الأسبوع الماضي في العلاقات المغربية السعودية، لم تكن مفاجئة. فانحدار العلاقات المغربية مع الحلفاء التقليديين في منطقة الخليج العربي، يعود إلى بضع سنوات، حين انطلق ما يُعرف بـ”الثورة المضادة”، والتي قادتها الإمارات العربية المتحدة، وسعت من خلالها إلى حمل جميع الدول العربية إلى التراجع عن “التنازلات” الديمقراطية التي قدمتها خلال فترة الربيع العربي، وإعلان حرب مفتوحة على الإسلاميين الذين استفادوا من تلك الفترة ليحققوا تقدما داخل المؤسسات المنتخبة والحكومات. ففي بداية العام 2015، كان المسؤول الأمني الإماراتي ضاحي خلفان، يغرد متوقعا سقوط “إخوان” المغرب في أقل من عام، في إشارة منه إلى إسلاميي العدالة والتنمية الذين يقودون الحكومة في المغرب. تصريحات نالت حينها ردا قويا من زعيم المصباح السابق عبدالإله بنكيران، لكن الردّ الأعمق كان بتمسّك المغرب باحترام نتائج الانتخابات وترك الإسلاميين في موقع التدبير. في المقابل، كانت وعود إمارات الخليج التي نتجت عن دعوة الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، ثم الشراكة الاستراتيجية التي أبرمت مع كل من المغرب والأردن، تواجه كثيرا من التماطل والتأخير، حيث اضطر المغرب إلى بعث الوفود الرسمية عدة مرات، للمطالبة بالوفاء بالتزامات الدول الخليجية تجاه المغرب، والإفراج عن المساعدات المالية المتفق عليها.

ذروة الشك والتردد في العلاقات المغربية الخليجية، كانت حين قررت أربع من دول الجزيرة العربية  ومصر، إعلان الحصار ضد دولة قطر. المغرب فاجأ الجميع بموقفه الصريح والمعلن، والمتمثل في الحياد، بل إنه قد بعث طائرة محملة بالمواد الغذائية إلى الدوحة، وبعث وزير خارجيته ناصر بوريطة إلى المنطقة، لمحاولة لعب دور الوساطة وتفسير الموقف المغربي القائم على الحياد. الرباط أصدرت حينها بلاغا يوضح أنها حريصة على “عدم الانزلاق وراء التصريحات واتخاذ المواقف المتسرعة، والتي لا تقوم سوى بتأجيج الاختلاف وتعميق الخلافات”، كما أن المملكة المغربية “تفضل حيادا بناءً لا يمكن أن يضعها في خانة الملاحظة السلبية لمنزلق مقلق بين دول شقيقة”. ومنذ ذلك الحين، بات ضباب كثيف يخيّم على علاقات المغرب بحلفائه التقليديين في الخليج، السعودية والإمارات.

حرص مغربي على التوازن

هذه الاضطرابات لم تتحوّل يوما إلى قطيعة مغربية مع أي من الأطراف الخليجية، حيث أبدى المغرب حرصا دائما على إبقاء حبل الود مرتبطا بجميع دول المنطقة. ففي شهر نونبر الماضي، كان ملك المغرب يوجد في قلب الجزيرة العربية في وقت وصل فيه بركانها السياسي ذروة نشاطه. فحفل تدشين متحف اللوفر الفرنسي بإمارة أبو ظبي، تميّز بحضور الملك محمد السادس إلى جانب الرئيس الفرنسي المعني مباشرة بهذا المتحف، فيما تركّزت جلّ الأنظار على البلاغ الرسمي الذي صدر عن القصر الملكي بالرباط قبيل انطلاق الطائرة الملكية نحو أبو ظبي، والذي جعل للزيارة وجهتين اثنتين، الإمارات العربية المتحدة وقطر. بعد ذلك ببضعة أيام، جاء وصول الملك سلمان إلى المغرب في زيارة شخصية، ليبدّد الشكوك التي حامت حول احتفاظه بهذا التقليد السنوي، بسبب الموقف المغربي من الأزمة الخليجية. فمكوث العاهل السعودي في مدينة طنجة، يحوّلها إلى واحدة من عواصم الدبلوماسية الدولية، رغم تفويضه تسيير شؤون المملكة لولي العهد. وفي المقابل، كشفت قناة “الجزيرة” القطرية عن تحوّل ملحوظ في خطها التحريري تجاه المغرب، وتجلى ذلك بوضوح في كيفية تغطيتها، أو عدم تغطيتها، للحراك الشعبي الذي عرفته منطقة الريف.

لعبة العزف على جميع الألحان الخليجية، اتخذت أشكالا أخرى، حيث صادق المغرب مؤخرا وبشكل نهائي، على اتفاقية أمنية مع الإمارات العربية المتحدة، حيث نشرت في الجريدة الرسمية. الاتفاقية تركزت على التعاون في مجال محاربة الإرهاب، وتنص على فتح البلدين لعلبة أسرارهما الأمنية أمام بعضهما البعض. بنود هذه الاتفاقية تنص على “تبادل المعلومات حول الأوضاع العامة واتجاهات الجريمة في البلدين”، و”تبادل المعلومات حول المنظمات الإجرامية والجماعات التي تقوم بالإعداد والتخطيط والمشاركة في غرس أي سلوك هدام، بغرض التأثير على الأمن وعلى المصالح الاقتصادية لأي من البلدين”، و”تبادل المعلومات حول الجماعات الإرهابية ومنظماتهم، فضلا عن التشكيلات والأنشطة والعمليات والأساليب والأعضاء، واتصالاتهم، والتحقيقات الجارية والتي تهم الطرفين”…

وضع جديد مع بن سلمان

إعادة التموقع المغربي في مسار التحولات الداخلية للمملكة العربية السعودية، انطلق منذ إعلان وفاة الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد بالمملكة العربية السعودية، الذي كان يفترض أن يخلف الملك الراحل، عبد الله بن عبد العزيز. فذلك النبأ لم يكن مجرّد خبر حزين يُعلن رحيل أحد أفراد العائلة الحاكمة لأهم دولة عربية إسلامية، من حيث مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية والتاريخية. بل إن بين طيّات الخبر توجد الحسابات السياسية الأكثر تعقيدا داخل البيت السعودي، والتوازنات الإقليمية المهددة بالانفجار في أية لحظة، والاعتبارات الدولية في سياق التحولات المخيفة التي يشهدها العالم في المرحلة الحالية من تاريخه.

حرص المغرب على الحفاظ على قنوات اتصاله المباشر مع رجالات قصور آل سعود، حيث إن التغييرات الكبيرة التي اتخذها الملك سلمان في بنية النظام السياسي بعد توليه العرش عام 2015، تمت عقب اتصالات مباشرة قام بها مبعوثون إلى القصر الملكي بالمغرب باعتباره شريكا مقربا. وشهورا قليلة بعد تولي الملك سلمان عرش آل سعود، كان الملك محمد السادس يحلّ ضيفا كبيرا على الرياض، ويشارك في قمة خليجية مغربية، انعقدت عشية قمة خليجية أمريكية شارك فيها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. لكن، وعلى العكس من ذلك، جرت التغييرات الأخيرة التي عرفها البيت الداخلي لآل سعود، في سياق يتّسم بشروع المغرب في أخذ مسافة مع بعض السياسات الخليجية للعربية السعودية، حيث رفضت الرباط المشاركة في الحصار الذي فُرض على قطر، كما امتنع الملك محمد السادس عن المشاركة في القمة الأمريكية الإسلامية في الرياض بمشاركة الرئيس الحالي دونالد ترامب، والقمة العربية التي سبقتها في الأردن. “في السياق الحالي هناك انتصار للتيار المتشدد تجاه قطر والرافض لسياستها الخارجية. فمحمد بن سلمان هو من الأشخاص الذين يقفون خلف عملية الحصار المفروض حاليا على قطر لعدة أسباب”، يقول الخبير المغربي إبراهيم اسعيدي، موضحا أن تلك الأسباب تتمثل في أن بن سلمان أصبح هو الشخصية المهمة في البلاد التي تشرف على جميع الأمور المهمة والاستراتيجية منذ تولي الملك سلمان للحكم.

عطوان: طعنة غادرة

“لقد آن الأوان ليعلن المغرب بشكل رسمي وثابت انسحابه من التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن”، يقول سمير بنيس، موضحا أن السعودية والإمارات العربية المتحدة لا تحاربان فقط جماعة الحوثي، “بل تأتيان على الأخضر واليابس وترتكبان انتهاكات خطيرة ضد الشعب اليمني”. فيما ذهب الصحافي الفلسطيني عبدالباري عطوان، إلى أن الأمر يتعلّق “بطعنة غادرة مسمومة في الظَّهر. فعندما يكون الخيار بين المغرب، الدولة العربية المُسلِمة، وبين الولايات المتحدة الأمريكيّة، التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي للمقدسات وجرائِمه في حَق الشَّعب الفِلسطيني، فإن الاصطفاف إلى جانب المغرب، والوقوف في خَندقِها، يجب أن يكون هو الخَيار الأمثل والصحيح، ودون أي نقاش”.