أحمد إفزارن

-الأمازيغيّةُ ثروةٌ وطنيّة.. من أقدمِ لُغاتِ العالم..
والأمازيغُ عاشُوا في شمال إفريقيا منذ آلاف السنين..
وتمّ ذكرُهم في تاريخِ الإغريقِ والرّومانِ والمِصريّين القُدامَى…
وهُم السكّانُ الأصليّون لشمالِ إفريقيا..
وفي المغرب، تُعتبرُ الأمازيغيةُ لغةًرسمية..
ورغمَ ذلك، لا تحظَى بما هي أهلٌ له من عِنايةٍ واهتِمامٍ في التّعليمِ العُمُومي..
كما تُعتَبرُ المَناطقُ الأمازيغيةُ أكثرَ تهميشًا وتفقيرًا من غيرِها على الصّعيدِ الوطني..
لُغةً تَستأهلُ وقفةَ تأمّل، حتى والتّعليمُ العُمومي لا يُواكبُها، ولا يُراقبُ نَبضاتِها، ومدَى فعاليّتِها..
وحياةُ أيةِ لُغة، ومنها لُغتُنا ولَهجاتُنا، مُرتَبِطةً بالتّواصُلِ الاجتماعي، والاستِعمالِ اليومي.. ومُرتبطةً أيضا بالاهتمامِ التعليمي..
– واللغاتُ من المفروضِ أن تُراقَب..
فأين المُراقبة؟ أين إنعاشُ اللغاتِ في تعليمِنا العمومي؟
إن اللغةَ أداةٌ تواصُليةٌ أساسيةٌ لتَبادُل المعلُوماتِ والأفكارِ والنّصائحِ والحِكَمِ والفُنونِ والآدابِ والفلسَفاتِ والعُلوم، ومن ثمّةَ هي ضروريةٌلبناءِ الإنسان، ومن خلاله كلّ المُجتَمع، والتكتّلِ الاجتماعي، والتّبادُل السياسي والاقتصادي والثقافي بالداخل، ومع مَناطقَ أخرى من العالم..
اللغةُ بوابةٌ ونافذةٌ على علاقاتٍ مفتوحةٍ مع الدولِ والشعوبِ والأعرَاقِ والأجناسِ والحضارات..
ولا غِنًى عنها لشقّ الطريقِ إلى المُستقبل، مَحليًّا ووَطنيّا ومع العالم..
وتَعَدُّدِيّتُنا اللغوية صنَعتها الجغرافيّةُ الوطنية، بفضلِ المكانةِ الاستراتيجيةِ لبلدِنا في الخارطة الدولية..
ومَوقعُ بلدِنا على الصّعيدِ العالمي فَتحَ المجالَ واسعًا أمام لُغاتٍ من القارات الخمس، والتحَقَت بلُغتِنا الأصلِيّة – الأمازيغية –  وأصبَحت عندنا لغاتٌ ولهَجات..
ولكنّ التعليمَ العُمومي تَدَخّلَ وقامَ بتقزيمِ وتطويقِ التّراثِ الأمازيغي، وخاصةً بعد استِقلالِ البلد، ومن خلالِه تصفيةِ جُذورِ ومَفاصيلِ التاريخِ الأمازيغي المغربي..
وجاء الاستعمارُ الفرنسي، ومن بعدِهِ السياساتُ التعليميّةُ المُتلاحِقةُ بعد “الاستِقلال”، فقَدَّمَ التّمكِينَ للفرنسيةِ والإسبانية، فانضافَتا إلى العربيةِ الفُصحَى، وتَمَكّنت السياسةُ العموميةُ من إخراجِ الأمازيغيةِ من المنزل، ثم من الشارِعِ المغربي، والرّحيلِ في هجراتٍ جماعيّةٍ باتجاه أوربا وغيرها…
ولا تخلو قارّةٌ واحدةٌ من مَغاربةٍ يتكلّمون الأمازيغية..
المغاربةُ الأمازيغ موجودون في مُختلف أرجاءِ العالم..
والأمازيغُ معرُوفون تاريخيّا بأنّهم السكانُ الأصليّون للمغرب..
و”الجغرافيةُ الأمازيغيّة” لا تَقتصِرُ على المغرب..
تَمتدّ من المغربِ إلى مصر، مُرورّا بالجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا  (قبائل الطّوارق).. كما يُوجدُ الأمازيغ في مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وجُزُر الكنَارِي..
وقديما كانت للأمازيغِ مُعتقَداتٌ خاصةٌ بهم، قريبة من الآلهة المصرية، ثم آمنُوا بالديانات السّماوية: اليهودية، فالمسيحية، والإسلام..
والاختلاطُ الإتنِي بين المغاربة (أمازيغ الريف، والأطلس، وسوس، وإفريقيا، وأوربا، وعرب، وغيرهم…) جعلَ اللّهجاتِ تتداخلُ وتتأثّرُ ببَعضِها..
وبفضلِ (الدّارِجَة)، يستطيعُ جميعُ المغاربة أن يتفاهموا، مهمَا اختلفَت لكنةُ أيتِ لَهجة..
بينما السياسةُ العُمومية، وفيها التعليمُ والإعلامُ والاقتِصاد، لم تَشتَغل في اتجاهِ تنشيطِ اللغاتِ الأصليّة للبلد..
وركّزَ التعليمُ العمومي على التاريخِ الرّسمي، من أجل تلميعِ الماضي، وتحديدًا منه فتراتٌ محدودةٌ من التاريخ، على حساب بقيّة التاريخ..
وتمّ لفتُ الانتِباهِ والاهتِمامِ بالحاضر، ومن خلالهِ المُستقبَل، لفائدةِ التّركيزِ على “مَناقِبِ الماضي”، وكانّ الماضي وحدَه مَصدَرُ الإلهامِ والتّوجِيه، وأنّ علينا أن نقتَدي بالماضي للسّيرِ في الحاضِر، باتّجاه القادِم..
وبهذا ساهمَ التعليمُ في تضليلِ الناشئة، من حيث اعتبارُ الماضي قُدوةً للحاضِر.. بينما الماضي مَشحونٌ بمُنزلَقاتٍ كثيرة، وبمظاهرِ التخلّفِ والارتِجالية والظّلمِ وسوءِ التّسيِير..
وكانَ الماضي وما زال مُضِرّا بتاريخِنا التّواصُلي، ومن ثمةَ بتُراثِنا التّعدُّدِي..
وفي هذا تمّت خَندَقَةُ لُغاتٍ ولهجاتٍ وطنية، ومنها اللغةُ الأمازيغية..
وهكذا بقيت الأمازيغيةُ محصُورةً مُطَوّقَةً – إلى حدّ ما – في مناطقِ الرّيف والأطلسِ وسُوس، وهي مَناطقُ محرومةٌ من حقّها الكاملِ في التعليمِ والصحةِ والشغلِ والعدالةِ الاجتماعية..
الدولةُ لم تكُن – منذ الاستقلال إلى الآن – عادلةً في تعامُلاتِها مع اللغاتِ واللهجاتِ المغربية..
ولم تعبأ إلاّ بالعربية والفرنسية والإسبانية، باعتبارِها لُغاتِ الدّراسة..
ولم يتمّ إلحاقُ الأمازيغيّة بالإداراتِ العمُوميّة والجماعاتِ والبرلمان وغير هذه..
سياسةٌ لاّمُتكافِئة تسبّبَت في تهميشِ مناطقَ قَرَوية، وجعلِ أجيالٍ مُتلاحِقةٍ من أبنائها مَحرُومِين من المَعرفةِ الكافية، ومن الدخول في الحداثة، اللهم في إطارٍ استِهلاكي محضٍ لما يُنتِجهُ أخرون، في أوربا وغيرِها…
وأَطلقَت الدولةُ سياسةَ ربطِ العَربيةِ الفُصحَى بالدّين، وكثُرَ فُقهاءُ يَحفظُون القُرآنَ عن ظَهرِ قَلب، دون أن يعرفوا خلفياتِه  ومَصادرَ تاريخيةٍ للكلماتِ الأساسيةِ الواردةِ فيه..
وأصبحت تفاسيرُ وتأويلاتٌ – وحتى أحاديثُ خاطِئة أو ضعيفة – هي الأكثرُ انتشارا في الأوساطِ الشعبية التي لا تَقرأ ولا تكتُب..
وهذا ما أدّى لانتِشار اللاّفهم، واللاّوعي.. ومن أسبابِ التّعصّبِ والتّطرّفِ وتقديسِ الجَهل..
لا اللغةُ العربيةُ تَطوّرَت، ولا هي التَحَقت بالتّطوّرِ العِلمي العالمي..
وها هي العربيةُ الفُصحَى مُعرّضةٌ للانقِراض، حسبَ توقّعاتِ مُنظمةِ اليونسكو (للتربيةِ والثقافةِ والعُلوم)..
والشارعُ لا يَتكلّمُ الفُصحى، بقدرِ ما يَتواصلُ بالعامّية: “الدّارِجَة”..
وما زالت الأمازيغيةُ حاضرةً في الريفِ والأطلسِ وسوس، وفي أوساطٍ أمازيغيةٍ من الجالياتِ المغربية في الخارج..
وتبقى الأمازيغيةُ مُوغِلةٌ في القِدَم.. وذاتَ عُمقٌ حَضاري قديم.. ولها أدبياتٌ وفلسفاتٌ وفُنونٌ وعلومٌ وأنظِمةٌ وامتِداداتٌ في حوضِ البحرِ الأبيضِ المتوسّط، وشمالِ إفريقيا..
والأمازيغيةُ حاليّا بصَددِ البحثِ عن الجُذور، واستِشرافِ الآفاق..
– ولا لُغةَ تَمُوت، وأبناؤُها أحياء!
وليست الأمازيغيةُ وحدها مُتجذّرةً في التاريخِ المغربي.. عندنا لغةٌ قديمة، هي العِبريّة.. وهذه يتولّى تطويرَها اليهُودُ المَغاربة، ويهودُ العالم، من خلال المُواكَبة العالَمية للتطوّر المَعرِفي والعِلمي والتكنولوجي والرّقمي، ومن خلال استخدامِ العِبريّة في التّواصُلات اليومية..
وبالنظر إلى العُمقِ التاريخي المغربي، ومَوقعِ البلد الذي هو استراتيجي بين الشرقِ والغرب، والشمالِ والجنوب، عندَنا آثارُ لُغاتٍ ولهَجاتٍ مُوغلةٍ في القدَم..
البشريةُ قد عاشت في هذا البلد، من قديمِ الزمن، وارتبطت – هي الأخرى –  ببعضِها وبغيرِها، ولُغاتٍ ولهجاتٍ وإشاراتٍ وأصوات، من أجل تبادُلِ المعلومات والأفكار والآراء، بشأن الحياةِ اليومية..
المغربُ رُقعةٌ جغرافية لأجناسٍ شتّى، إفريقية، أوربية، عربية، آسيوية، عرفت في تاريخها تَعَدّديةً لُغوية مَكّنَتها من مُقاومةِ “كوارثَ” طبيعية وغيرِ طبيعية، ومن  تقلّباتِ العُصُور، ومن تطويرِ أنواعِ التواصُلات، وتفاعلَت مع مُختلفِ الظروفِ والأحوال..
وبفضل هذا التنوّع، تمكنت المجموعاتُ اللغويةُ في المغرب، من إنتاج وعيٍ ثقافي مُشترَك، وأخلاقياتٍ تُنِمّ عن انصِهارٍ بين التّعدّديات، وتَشكيلِ نموذجٍ تواصُلي مُشترَك..
ويبقي البِناءُ التواصُلي مُشترَكا واقفًا صامدًا في وجهِ الهزّات المختلِفة.. وما زال المغربُ تعَدُّدِيَّ اللغاتِ واللهجات.. وأبناؤُه، إناثا وذُكورا، حتى في بُلدان المَهجَر، يتَعلّمون لُغاتٍ أخرى، من القاراتِ الخمس، ويَتواصلُون بها بسَلاسةٍ وفَعاليّة..
المغاربةُ مُولَعُون بتعلّمِ لُغاتِ الشّعوبِ الأخرى، ويَتعاملونَ مع أيةِ لُغة، مُعتبِرِين إيّاها جَسرًا للتواصُلِ معَ العالم.. هو جسرٌ للارتباطِ العُضوي بِبقيةِ الأرجاء..
– العالَمُ قريةٌ واحدة!

ifzahmed66@gmail.com