قراءة في نصوص منفلتة ومسافات.. محمد آيت علو: “باب لقلب الريح… من أجل كوة فرح”

وكان، ويا ما كان..!

العبارة الأثيرة في السردية العربية، بها تبتدئ الحكاية، ولا تنتهي، إلا بانتهاء الحكي المباح، واستئناف الكلام اللامباح، المرغوب بذاته، كاكتمال لغواية الحكي…

نبتدئ بها نحن أيضا مقاربة نص عزيز على القلب، قرآناه ونعيد قراءته. رغم بعد المسافة ـ والمسافة مسافات ـ لا يختلف المذاق في الفم، ولا الأثر في القلب. الأحاسيس نفسها، رغم مرور الزمن، وربما تعتقت ببعد المسافة ـ والمسافة مسافات…

الدهشة عينها، ركبتني ـ خلال الوقفتين ـ أمام نص منفلت، لا على التصنيف، ولكن عن الزمن. رغم مرور كل هذه السنوات، لا يزال يحتفظ بطراوته، بطزاجته، كأنه خرج توا من تنور الكتابة ـ وما الكتابة إلا شهوة الاحتراق…

الأكيد أن الوقفة الأولى تختلف عن الوقفة الثانية. خلال الوقفة الأولى، بعد الدهشة، ركب الذات القارئة الخرس، فالنص دوخها، فلم تقو على التعبير نطقا، عن تولهها بجمال النص…

هذه المرة على العكس من ذلك، استطاعت أن تتكلم، بعد أن راكمت قدرا لا بأس به من المهارة والأدوات، وأرهفت أناملها النصوص والقراءات والتجارب، فأسعفها كل هذا على التعبير كتابة عن تجربة السفر بين جغرافيته، رغبة في القبض، على ما عجزت عنه من قبل…

هكذا انخرطت الذات العاشقة في إنتاج نص، ليس هو نقد ولا قراءة ولا حتى مقاربة (الكلمة التي صرحت بها سابقا). إنه نص يتقاطع مع النص الأول، أو لنقل بتعبير آخر، نص توّلد من رحم النص الأم…

بدءا بالعنوان، يعلن الكاتب عن مشروعه، من خلال تقابل عنصرين من عناصر العمارة العربية، أو لنقل، أهم عنصرين، بالإضافة إلى الفناء السماوي، المفتوح عموديا: الباب والكوة، المفتوحين أفقيا…

في البناء العربي، الباب علامة. علامة وحيدة على وجود عوالم مخفية خلف الأسوار المنيعة، مصدر الاستيهامات التي أغوت المستشرقين والرحالة الغربيين، وأودت ببعضهم في غياهب التيه والجنون…

ومع غياب النوافذ المطلة على الخارج، تلعب الكوى الموزعة على الجدران الخارجية، دور المخفف من عتمة الفضاءات الداخلية، إلا أنها إضاءة خفيفة، تجعل للأجساد والأشياء، حين تتحرك، مظهرا شبحيا، وللحيوات المحكية حضورا مشوشا…

الباب مدخل وفي الآن مخرج. انفتاح مزدوج على الداخل والخارج، لكنه انفتاح مؤقت برغبة ساكنيه. الكوة، على العكس من ذلك، انفتاح مزدوج على الداخل والخارج، لكنه انفتاح دائم، لا يخضع لنزوات أصحابه…

هذا التقابل في عمارة الأفضية الحميمة، يقابله تقابل في العمارة المعرفية للذات الإسلامية، أنتج ثلاثة بناءات إبيستيمية كبرى، أو ثلاثة براديغمات فكرية مهيمنة: البيان والعرفان والبرهان، يمكن أن تنسب إليها جميع التيارات الفكرية التي يزخر بها تراثنا المعرفي، وربما كذلك يرجع إليها سبب التقاتل الذي عرفه تاريخنا الشقي…

وإذا كان البيان قد ظل مهيمنا على الساحة الفكرية، وبقي البرهان هامشيا إلا في بعض الفترات من تاريخنا الفكري أو انتعش مع الحركات الاصلاحية الحديثة، فإن العرفان ظل حضوره محتشما أو وجد له في الصوفية والطرقية… وسيلة للتعبير عن نفسه. مع ذلك لم يستطع أن يبدد سوء الفهم الكبير، الذي يجمعه بباقي التيارات ويذيب جليد التوجس الذي تراكم بينه وبين باقي الحركات الفكرية قديمها وحديثها…

مرد سوء الفهم الكبير هذا، إلى أن العرفان اجترح لنفسه تجربة فريدة، ركبت الكشف، ليس باعتباره مذهبا فقهيا أو صرحا فكريا، تأويلا ينزاح عن المنقول خطا أو المقبول عرفا، بل باعتبارها تجربة جمالية، حررت الذات العارفة من سطوة المؤسسة الكهنوتية (ليست بالضرورة دينية)، فأنتجت نصوصا عصية على التصنيف، أمحت معها الحواجز بين الشعري والنثري…

إنها محاولة لوصل ما انفصل مع البيان المتكئ على الجسد أثرا، والبرهان المتوسل بالعقل أداة. تجربة اتخذت من الروح معراجا يصل بين الجسد والعقل، باعتبارها جوهر الإنسان. الجوهر هنا ليس بالمعنى المثالي المتعالي عن تجربة الوجود المفارق للزمكان، بل باعتباره مشروعا مفتوحا على المستقبل، على الإنسان المنشود، المعبر عن وحدة الذات والوجود، كإفلات من النظرة المانوية للعالم، ونهاية للتناقض بين الجسد والعقل…

النصوص التي بين يدينا، ركبت التجربة ذاتها، فمن حيث البناء، فإنها وإن توسلت بعمارة النصوص المتعارف عليها، لتضع حدودا فاصلة بين الشعري والنتري، إلا أنها لم تزد الأمر إلا تشويشا، أو تشويقا، يسعف القارئ على تخصيب تجربة مثمرة لتعدد التأويل وبالتالي للمعنى. فكثيرة هي المقاطع والفقرات، مع اللغة المكثفة والتعابير المبتكرة التي كتبت بها، لا تحتاج إلا لإعادة الكتابة أو إعادة التأثيث داخل رقعة اللوح، لتقفز إلى الجانب الآخر…

إن هذه المراوحة بين الشعري والنثري، لا يمكن فهمها إلا في إطار التقابل الذي تحدثنا عنه سابقا، تقابل “الجواني والبراني”، التمزق العنيف ما بين الجسدي والعقلي، التجلي النوراني ما بين الإطلالة المحتشمة من الباب والنظرة الخجلة من الكوة…

هكذا يصير الباب مدخلا، انفتاحا على التجربة الصوفية المتلبسة بالجسد، باب الروح، فيصير الفم كوة لإشراقات تضيء العتمات التي تكتنف الذات المبدعة، فتعيد اكتشافها من جديد، متوسلة بالحضور من داخل اللاوعي الفردي والجمعي، فاسحة بذلك مكانا للفرح، يعيد للذات المرهقة من الشطح “أو لهبال”، ألقها المفتقد، بسبب الزيف القابض بتلابيب الروح المعذبة، الطامحة للانعتاق والتحرر، من الرداءة والزيف والابتذال…

*كاتب

متابعة من هسبرس