ع. بنعلي
كان مركز الندوات بكلية الطب والصيدلة بوجدة صباح يوم الأربعاء 19 دجنبر 2018 على موعد مع درس افتتاحي برسم الموسم الجامعي 2018 – 2019، من تنظيم جامعة محمد الأول بوجدة، وتأطير الأمين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة الدكتور سيدي محمد رفقي، في موضوع: “رمزية إمارة المؤمنين وحماية القيم الإنسانية”.
في كلمته الافتتاحية رحب رئيس جامعة محمد الأول الدكتور محمد بن قدور بالأستاذ المحاضر وضيوف الجامعة وكل الحاضرين، ثم أكّد على انخراط جامعة محمد الأول ” بفعالية في المشروع الملكي الإفريقي الطموح، حيث تم تنظيم عدة ندوات ولقاءات علمية حول المسألة الإفريقية، كان آخرها الندوة العلمية الدولية الكبرى التي حظيت برعاية ملكية سامية في موضوع “الدبلوماسية الثقافية ورهان الوحدة الإفريقية”، وتوجت بتأسيس اتحاد جامعات غرب إفريقيا، مقره جامعة محمد الأول بوجدة “. وذكّر السيد بنقدور على “عزم رئاسة الجامعة على تنظيم حدث إفريقي هام، خلال شهر مارس القادم، وهي ندوة دولية بعنوان ” الهجرة في السياق الإفريقي: الواقع والتحديات”، بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، والوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، ومجلس جهة الشرق”.
وأكّد رئيس جامعة وجدة في هذا الدرس الافتتاحي، الذي حضره رئيس المجلس العلمي المحلي لوجدة العلامة مصطفى بن حمزة، ورؤساء مجموعة من المؤسسات والمصالح بالجهة الشرقية، وثلة من الأساتذة والطلبة الباحثين، على أهمية هذا الدرس العلمي الأكاديمي من حيث مضمونه الذي يتناول رمزية إمارة المؤمنين، ومن حيث قيمة الأستاذ المحاضر الأمين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، باعتبارها مؤسسة علمية رائدة يرأسها ملك البلاد.
وبعد ذلك تناول الكلمة الأستاذ المحاضر الدكتور محمد رفقي ليبرز أهمية ورمزية مؤسسة إمارة المؤمنين في الفقه الإسلامي باعتبارها “ولاية عظمى قائمة بسياسة الدين والدنيا”. ومشيرا إلى أن “الإمامة والخلافة وإمارة المؤمنين معناها واحد وهي مسؤولية دينية تقتضي التكامل بين الشؤون الدينية والدنيوية، وتقتضي التمسك بالأحكام الشرعية”، مذكّرا أنه “بموجب إمارة المؤمنين تتحقق المقاصد الوثقى بين الرعي والرعية”، لكون العلاقات الإنسانية والاجتماعية في التشريع الإسلامي داخلة في العبادات، بحسب المحاضر.
وفي سياق حديثه عن خصائص “البيعة المغربية” قال الدكتور رفقي أنها تتميز بعدد من المميزات، أهمّها “أن المسؤولية الكبرى فيها يتحملها علماء الشريعة، كما أنها عقد مكتوب يشهد عليه العدول”، بالإضافة إلى أن مضمون هذه البيعة يحيل على مسؤولية مؤسسة إمارة المؤمنين في الدفاع عن البلاد والعباد وتحصين الوحدة الترابية، لذلك فرمزية إمارة المؤمنين تنبني – حسب المحاضر – على مفهوم البيعة الذي يعتبر إطارا مرجعيا في الفقه الإسلامي، لأن هذا المفهوم يؤسس لمشروعية الحكم سواء على المستوى الفقهي أو القانوني. وفي السياق ذاته أكّد المحاضر على أن أمير المؤمنين يمثل السلطة الروحية والسياسية معا، ولا تمييز بين السلطة الدينية والسياسية كما في الغرب.
وشدّد الأستاذ رفقي على أن طبيعة البيعة ذات طابع إلزامي، إذ البيعة عقد ملزم للطرفين، فالمبايعة مقابل الطاعة تلزم السلطات بالوفاء والخدمة، بحسب تعبيره، لكون البيعة أساس شرعية الملك، لأن عقد البيعة في حد ذاته نص دستوري.
وفي سياق ذي صلة ذكر الدكتور رفقي أن رمزية إمارة المؤمنين أصيلة وتاريخية خصوصا في عصر المرابطين حيث امتدت حدودها إلى السينغال والسودان، كما كانت بعض الدول الإفريقية تدعو للسعديين لزهاء ثمانية عقود، وكانت الخطبة تتم باسم السلطان المغربي في تمبوكتو وبقي أهل تمبوكتو أوفياء لبيعتهم، وبقي العهد موصولا إلى عهد المولى عبد الرحمن فيها في والجزائر.
وفي الشق الثاني من درسه تحدث الأستاذ رفقي عن القيم الإنسانية، معرفا إياها في البداية بكونها ” كل القواعد المؤسسة للمنظومة الأخلاقية”، ومؤكدا أن هذه القيم، التي كانت عبر التاريخ الإنساني محل اهتمام كل الديانات والفلسفات، هي من يعزّز البناء الداخلي والخارجي للإنسان.
وفي السياق ذاته أكّد المحاضر أن العولمة أسهمت في تراجع هذه القيم الإنسانية في عصرنا الحالي، خصوصا القيم الدينية التي أصبحت محل تساؤلات المفكرين بسبب الأزمات والانتكاسات والتراجعات التي تعرفها هذا المجتمعات الإنسانية بصفة عامة، والإسلامية خاصة.
وقد شدّد على أن المخاطر التي تعيشها الإنسانية في هذه العصر تتمثل في عدة أمور، أهمها مخاطر التقنية والتكنولوجيا، ومخاطر البيولوجية، خصوصا علم الجينات، و مخاطر الأفكار المتطرفة والضالة التي تنتشر باسم الدين، وأشار إلى أن عالم التواصل التكنولوجي أسهم في عولمة الأفكار المتطرفة، وأمام زخم المعلومات تجد المجتمعات نفسها ضحية لانتشار الفكر المتطرف.
وقال أمين عام مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة أن ” هناك من يدعي أن العقل الإفريقي لم يدخل التاريخ بعد، لكن الواقع أثبت عكس ذلك، لأن هذا العقل يستمد قدرات فطرية لها جذور تاريخية، وخير دليل على ذلك ما قدمه هذا العقل من إسهامات وابتكارات للإنسانية قديما وحديثا. وأضاف في نفس الصدد أن ” في إفريقيا أكثر من 2000 لغة وهذا دليل على رقي الشخصية الإفريقية”.
وقد أكد الدكتور رفقي أن روح التدين أصيلة في الإنسان الإفريقي مهما كان معتقده، لذلك فإن حماية الشخصية الإفريقية حماية للدين، وفي هذا السياق جاءت مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة لتثمّن تلك العلاقات التاريخية والدينية المتينة التي تربط المغرب بإفريقيا منذ عهد الأدارسة، ولتحفظ هذه القيم السمحة والثوابت الراسخة في إفريقيا بأسرها، وذلك من خلال تحقيق مجموعة من الأهداف لعل أهمها تنشيط الحركة العلمية في إفريقيا في كل المجالات الإسلامية، والتشجيع على إحياء التراث، والقيام بإنشاء مراكز بحثية، وربط الصلات، عن طريق فروعها التي بلغت 32 فرعا، لحد الآن، منها: النيجر، وكينيا، والبنين، ومالي، وجيبوتي، وأنغولا، والغابون، وأفريقيا الوسطى، ومدغشقر، ورواندا، والسينغال وغيرها…
وفي ختام درسه أكد الدكتور محمد رفقي أنه لا أحد أقدر وأجدر بحماية الأمة من هذه الأفكار الضالة والمتطرفة إلا العلماء، لذلك يتطلب الأمر منهم اليقظة لحماية هذه الثوابت التي أسّسوها ورسخوها، وأصبح لزاما على العلماء اليوم أن يؤدوا واجبهم للحفاظ على هذه المكونات الأساسية التي لها علاقة وطيدة بالأمن والتنمية، خصوصا التنمية الروحية التي هي أساس كل تنمية. وفي هذا السياق شدّد السيد الأمين العام لمؤسسة العلماء الأفارقة على ضرورة الاستثمار في البحث العلمي؛ لأن اللغة التي يفهمها العصر هي لغة العلم وإنتاج المعرفة، ووفق تعبيره، فإن الاعتناء بالمجتمعات الإفريقية شرط حضاري لمواجهة تحديات العولمة وحماية الدين والقيم الإنسانية.