بقلم: د.جواد مبروكي

دائما وفي أي مناسبة، في المقهى، في العمل، عند البقال، في القطار، في اللقاءات العائلية أو مع الأصدقاء، في الأسواق، وفي أي مكان، أسمع المغربي يردد مثل هذه العبارات “على الإنسان أن يكون سخيا ومسامحا ويتميز بالأوصاف الإنسانية ولا يتنفس بما يجرح الآخر ويحترم القانون والشريعة ويحترم جيرانه وأن يكون نزيها وشريفا…..”.

وليُعزز تلميع صورته يذكر مثل هذه الأقوال الجميلة “بالضبط في هذه النقطة قال تعالى…… وفي حديث نبوي قال الرسول ……”. وألاحظ أن رغم هذه الأقوال البهية يرى نفسه في حاجة ليُلمِّعَ أكثر وأكثر صورته وبصفة خاصة يشرع في اللجوء مثلا “يوم الجمعة، قال الإمام……”.

وبطبيعة الحال أسمع نفس الأساليب من عدد كبير من المغاربة ينتمون إلى جميع الديانات وبدون استثناء مثل “جاء في رسالة 15 يونيو…..” و “بالضبط في هذه النقطة قال المسيح….”، بل اسمعها حتى مِن مَن لا دين له، مثلا “قال جاك دوريو و برناردو برطولوتشي و ليون طروتسكي …”

بالفعل كل هذه الأقوال والآيات والأحاديث والقصص رائعة جدا و مع الأسف لما أرى الواقع المغربي في الإدارات والشوارع والأسواق والأوساط العائلية والمهنية وحتى بين أتباع الديانات المختلفة، لا أجد إلا عكس هذه الأقوال لدرجة أن النزاعات والخلافات والعنف والحقد والأنانية، أصبحت العملة التي يتداول بها المغاربة في كل دقيقة من حياتهم العائلية والاجتماعية والمهنية.

وأتساءل لماذا المغربي يتألق في بهاء الأقوال بدون إنزالها إلى حيز التطبيق ويترك أعماله تُلمِّع صورته بشكل تلقائي ومتناسق ومتناغم مع قناعاته؟

وهذه أهم أسباب الحياة “الثنائية” عند المغربي:

1- غياب التربية على الثقة في النفس

ترتكز التربية المغربية على العنف بكل أنواعه مع تدمير شخصية الطفل ووصفه بِ “الحمار، البغل، الضبع،ْ…”، مع غياب التشجيع واحترام الطفل كإنسانٍ في حاجة إلى عناصر تنمي ثقته في نفسه وفي مجتمعه. وبالتالي ننتج إنسانا فارغا من الداخل ولهذا يلجأ إلى الأقوال محاولا أن يجد إعجاب الناس

2- التربية الدينية الخاطئة

مع الأسف هذا النوع من التربية، تُربي الطفل على الخوف المَرَضي من الله وجهنم بدون أن تركز على أن العلاقة مع الله مبنية أساسا على الحب لأن الله أحب خلقه فخلقه. كما أنها لا تمنح الطفل الحرية في إتباع الوصايا الدينية ويعلم أنه حر في علاقته مع الله. كما أن التربية الدينية لا تترك الاختيار للطفل في أن يخوض تجربته الشخصية في إتباع هذه الوصايا وتتركه يكتشف بنفسه عبر تجاربه مزايا البرامج الدينية في تنمية قدراته وتطوير قيمه الإنسانية وأثرها على توازنه الشخصي وسعادته.

3- غياب النموذج المثالي

مع الأسف، لا يجد الطفل أمامه نموذجا مثاليا يستلهم منه ويغذي به تكوينه ولهذا نراه في كبره يؤثث وجوده بكثرة الكلام.

4- غياب التربية على التقليل في الأقوال والتكثير في الأعمال

نحن مجتمع “كلام”، وكل فرد يبرهن عن وجوده بقوة الكلام وارتفاع الصوت لعله يجد من يسمعه. كما أن المغربي، يرى أن الأعمال لا تتوفر على صوت تصرخ به لكي تثبت وجوده. ولهذا يبقى الفم واللسان والحنجرة، الطريقة الوحيدة لتحقيق الوجود.

5- غياب التربية على حرية التعبير

المغربي إنسان يريد فرض الصمت على الكل لكي يُسمع كلامه. ولاستحالة هذا، يرفع صوته إلى أقصى درجة ليفرض قوته. و يبقى هذا السلوك حيوانيا كما تفعل الأسود بزئيرها.

حرمان الطفل من التعبير بحرية “اصمت ما زلت صغيرا”، يجعله متعطش لكثرة الكلام بحثا عن قمع المستمعين ولهذا نجد في كل جمع الكل يتكلم في نفس الوقت بصوت مرتفع ولا أحد ينصت للآخر

6- غياب التربية على الفكر النقدي وعملية التساؤل الذاتي

يتربى المغربي على انتقاد الآخر والحكم عليه، وهذا السلوك يغطي عن عدم القدرة على رؤية حقيقته الذاتية وانتقادها والتساؤل عن سلوكه. النقد ومساءلة الذات يسمحان التعلم من التجارب والبحث عن التطور وبالتالي التقليل من الكلام والتكثير من الأعمال

7- غياب التربية على التنمية البشرية

التربية المغربية مبنية على “المْرْبّي مْنْ عْنْدْ رْبّي” وكأن الله جعل تربية هذا إنسانية فائقة جينيا وجعل سلوك ذلك أسفل من سلوك الحيوان جينيا كذلك. تجهل التربية المغربية أن التنمية البشرية تأتي بالمرافقة والتدريب والتجارب وأن لكل طفل قدرات لا تحصى لتنمية

شخصيته وسلوكه وإمكانياته الروحانية والعقلية والبدنية. ولهذا يفتقد المغربي سبل التطبيق العملي ويبقى متشبثا بطرق الكلام التأثيثي فقط.

8- غياب التركيز على المسؤولية وتنمية حس الانتماء إلى المجتمع

التربية المغربية لا تمنح للطفل ولا للمراهق أية مسؤولية باعتبارهم لا زالوا صغارا. وفي نفس الوقت، تريد أن تعدّ للغد مواطنا مسئولا اتجاه نفسه ومجتمعه.

نعبر عن مسؤوليتنا بالأعمال وليس بالأقوال وما دامت الأعمال غائبة فما علينا إلا بتكثير الأقوال والتفنن فيها.