باب ناظور

جسد البطلة يملأ الشاشة والكاميرا تتبعه في ليل تونس، أداء مريم الفرجاني مؤثر قوي مبهج محزن مدهش..أداء يعبر بالمتفرج من كل العواطف..كان ذلك مطلع فيلم “على كف عفريت” 20َ17 للمخرجة التونسية الشابة كوثر بنهنية. فكيف يعكس أسلوب الإخراج وبنيته وجهة نظر المخرجة؟.

المطلع فضاء غزلي أنثوي بهيج، بطلة تستجيب لنداء المغامرة، أجساد حرة ومقدمات ليلة واعدة، شابة جميلة بجسد بض رفقة مناضل فقير ليلا في منطقة راقية. وقبل أن يمل المتفرج هذا الديكور الآمن والمبهج في المشهد الأول تفتح له المخرجة أبواب جهنم على ديكور خطر… يجري القفز في الزمن لتظهر حفرة كبيرة في الحكاية، يجري البحث لكشف سرها. كما في المسرح التراجيدي جرى الحدث المأساوي خارج الخشبة، لكن تظهر تبعاته…

شابة في ليل شوارع المدينة تعرضت لاعتداء، تستقبلها امرأة بنظرات شكاكة وسؤال مهين: ماذا جرى؟.

من وجهة النظر البوليسية كل اغتصاب لم تترتب عنه كسور وجروح ليس اغتصابا..دون أضرار مادية تنتفي الجريمة. من هذه النظرة يصير الاستنطاق تعذيبا نفسيا.

استنطاق هدفه الفضح لا الحقيقة، ما تسميه مريم اغتصاب يسميه الشرطي زنا ، لأن الشرطي الذي يكتب التقرير ليس بيروقراطيا معقما ضد البنية الذهنية السائدة، بل هو يعكسها في أسئلته المشحونة باتهامات مسبقة…في حالة مريم الجلاد هو القاضي. بالنسبة للجلاد لا توجد مريم عذراء.

عرض الفيلم في مهرجان كان 2017 ضمن فقرة نظرة ما، وبذلك حققت بنهنية في فيلمها التخييلي الطويل الأول الآمال التي عقدت عليها بعد فيلميها القصير “يد اللوح”، والوثائقي “شلاط تونس”؛ وفيهما الكثير من الاستفزاز للمؤسسة الدينية والاجتماعية. في “يد اللوح” 2013 تجلب طفلة كرسيا لتجلس عليه بدل الجلوس على الحصير، فانتبه الفقيه إلى أن الطفلة صارت أعلى منه فجلب كرسيا أكثر علوا وجلس فوقه.

لا أحد يعلو على الفقيه.

في “شلاط تونس” 2014 تتبع المخرجة بطل الحي الشجاع.. لقد قام بما لم يخطر ببال أحد.. جرح العضو الذي يسبب الوجع لقلوب الشباب. تسأل المخرجة الشبان عن المجرم الذي يجرح مؤخرات النساء فيوضحون لها أنه بطل.. ولديهم الحجج ضد الضحايا بما أنهن نساء، ولا حاجة لإثباتات البديهيات.

كشف البنية الذهنية المضادة للثورة

في نفس خط كشف هذه البنية الوثوقية تعود بنهنية لترفع الإيقاع في فيلما “على كف عفريت” 2017؛ تصور شابة غير مسيّسة في خضم زلزال الثورة، شابة لديها أمل الاستمتاع باللحظة بغض النظر عما يجري حولها. لكن مريم تحمل بصمات محيطها، فهي تخاف نشر صورتها بلباس الرقص على “فايسبوك” أكثر مما تخاف أن ترقص في ملهى، تخاف تقديم شكاية للشرطة ويعرف سرها، تخاف على سمعتها أكثر من على كرامتها.. تخاف الفضيحة. ما هي الفضيحة؟.

الفضيحة ليست فعل الاغتصاب بل معرفة المجتمع بها. هنا يتعارض منطق الكشف الإعلامي مع منطق الستر الاجتماعي. من يخاف البوح لن ينجز ثورة، من يبحث عن خلاصه الفردي سيصطدم بالوهم.

الثورة تلهم الفن

يشكل سياق الربيع العربي خلفية للفيلم. يبدو أنها مقولة “الثورة تلهم الفن”، ويبدو أن تونس تعيش أيضا ربيع الفن. والفن ليس مجرد صدى للمرحلة بل فاعل أساسي فيها.

تقارب المخرجة واقع الثورة في بلادها بالسرد لا بالخطابة، وهي تطرز اللقطات بتفاصيل صغيرة دالة على نظرة المنظومة المهيمنة للمرأة… تونس على كف عفريت. العفريت كائن شرير. مريم على كف مجتمع ذكوري أشر من العفريت. في الفيلم واقعية مفرطة، لكن عبثية الواقع تنقذ المتفرج من الملل.

لم يكن مرددو شعار “ارحل” بعد أن أحرق البوعزيزي نفسه موحدي التصور حول المجتمع المرغوب. كثيرون كانوا متأكدين أن الفساد ليس نهب مال الشعب، بل هو قبلة في الفضاء العام. كان الربيع العربي فرصة للرجعية الدينية والقبلية لتكشف عن وجهها. وما جواري “داعش” إلا من الآثار الجانبية للربيع.

كيف وصل الوضع إلى هنا في العالم العربي؟.

هل يمكن للقوى الدينية أن تقوم بثورة؟.

مستحيل لأن المتدين المؤمن يضع نفسه فوق غيره ولا يمكن إقناعه بالمساواة مع المواطنين والمواطنات خاصة..المؤمنون هم الأعلون وهم من سيقرر. ومن نتائج ذلك في قرية مغربية أن شبانا ملتحين طردوا بنات متهمات بممارسة الدعارة معهم. وقد خرج فقيه يحتفل بتنظيف القرية. ومن يعترض يسأله: أ ترضاه لأختك؟.

هذا التصور الذي يرفض المرأة كإنسان حر أكثر أثرا من مشاهد المظاهرات في قلب المدن وتدخلات الشرطة بقنابل مسيلة للدموع… مشهد صورته القنوات الإخبارية واستهلكته أفلام كثيرة وثائقية وتخييلة لأن مخرجيها فرحوا واعتبروا مواجهة الشرطة في الميدان ستصنع ثورة.

ربيع الشيوخ والبوليس..

الخطر ليس في الجماعات الدينية بل في الأغلبية الصامتة التي تتبنى أطروحاتها. هنا تقارب المخرجة السياق بطريقة فنية، وتمارس فن كشف البنية الذهنية المضادة للثورة عبر تفاصيل صغيرة.

بداية فإن لباس مريم يدينها؛ فهي تلبس مثل لوحة “امرأة بالأحمر” للرسامة تامارا دولامبيكا De lempicka. كل من يرى لباس مريم لا يصدقها، لذلك تهينها ممرضة وشرطية. حينها يكتشف المتفرج أن العدو الأول لتحرر النساء هن النساء أنفسهن، يبدو أن المخرجة تستلهم تجربتها…

هذا هو المستوى الأول للاتهام. في المستوى الثاني تجرم العقول غير الحرة العلاقات الرضائية بين الراشدين، وهذا يطلق يد البوليس للمساومة، غالبا يطلق سراح الرجل وتستبقى المرأة للمساومة مادام اغتصاب امرأة أقل ضررا من اغتصاب وطن.

البوليس عين الدولة ويدها. عمليا لم يضعف الربيع العربي المؤسسة الأمنية بل زاد من نفوذها وشرعيتها كصمام أمان وحيد لكبح الفوضى والجماعات المتشددة، وفي المقابل فالثمن فادح، إذ يحقق إطلاق يد البوليس في وجوه الناس وسهولة الاعتقال لتحقيق الانقياد السياسي التام. النتيجة: انتشار الخوف.

في زمن الثورات يكون الأمن في حالة تأهب قصوى لصيد الذئاب المنفردة. من الصعب تحمل التأهب لفترة طويلة، لذلك يحق لرجال الشرطة أن يتسلوا قليلا.. وغالبا يمكنهم عقد صفقة للملمة الحكاية…وللدفاع عن هذه الأطروحة تواجه مريم محققين من طينة أخرى، محققين يفيضون حنانا مسموما وهم يطرحون السؤال: أ ترضينه لدولتك؟.

كيف يعكس أسلوب الإخراج وبنيته وجهة نظر المخرجة؟

في انتظار تحقق الصفقة يمر الليل ويقترب الفجر فتشعر مريم بالمهانة، لا يحمل لها الفجر، سواء كحلم أو كزمن فيزيائي، أي وعد بالتحرر، بالخلاص…هنا دفعت المخرجة باختيارات بطلتها إلى حدودها القصوى…وقد كان الإخراج والتصوير يوفران دعما بصريا للقصة.

السيناريو مثل نسيج سميك من القنب، يتسلسل فيه الفعل ورد الفعل لأن السببية تقتضي زمنا خطيا، فوقائع الفيلم تجري في أقل من عشر ساعات، تتعاقب الأحداث في حيز زماني ومكاني ضيق، وقد ضمن قصر زمن القصة تماسك السرد. ما القصة وما السرد؟.

القصة هي ما جرى والسرد هو طريقة تقديم ما جرى. طريقة العرض هي السر.

لقطات طويلة مؤثرة

عادة حين يمر نصف الفيلم أشعر بالرعب من أن ينخفض الإيقاع وينقطع نفس المخرج، لكن بنهنية رفعت الإيقاع أسلوبيا بشكل مذهل بعد ساعة، ففي لحظة الكشف كانت الكلاب أمام مريم وخلفها. كانت اللقطات أطول وكان مصدر التوتر ينبع من الحدث الجاري أمام المتفرج وليس من حيل التقطيع والمونتاج. كانت لقطة الفحص طويلة ومهينة وقد امتدت لأكثر من ثلاث دقائق. وقد صورت المخرجة اللحظات الصعبة في لقطات طويلة دون مونتاج بهدف تجنب كسر إحساس المتفرج بواقعية ما يجري…

بعد المغامرة دفعت بنهنية المولودة في سيدي بوزيد اختبار مريم إلى نهايته…خسرت الكثيرين ممن توقعت أن تعتمد عليهم، لكنها ربحت نفسها؛ وقد صورت النهاية بكاميرا تنزل الدرج خلف البطلة لتفتح الباب على أفق متفائل للجمهورية التونسية… مهما جرى فالعالم لم ينهر والصبح مشمس ومريم حية…هكذا جنبت بنهنية بطلتها حزن الهزيمة لأنه يقتل.

المصدر. هسبريس