لا تفصلنا إلا أيام قليلة عن خبر فاجعة استفاق عليه الرأي العام المغربي، خبر إنساني خال من التراكمات التي كانت موجودة بشكل قوي في تراثنا الإنساني المغربي والإسلامي، خبر العثور على جثتين لأخوين متحللتين في منزلهما لما يزيد عن خمس أشهر، هذا الخبر الذي نزل كالصاعقة على مسامعنا، وجعل منا ضباعا مفتوحة أفواهها ، ورامية عقولنا وتفكيرنا في ماض قد عشناه في صبانا مع الجيران والعائلة، حيث كانت بيوت الجيران بيتنا الثاني في مغرب إسلامي إنساني.
بعدما عثرت مصالح الأمن على الجثتين، باشرت أبحاثها الأولية في النازلة ، فأجمعت على أن جثة رجل من ذوي الاحتياجات الخاصة ، وجثة أخته المعيلة الوحيدة لكليهما قيد حياتها ، في حالة تحلل متقدمة، مما يعني أن وفاتهما يعود إلى نحو شهور، وهذا ما أكدته الأبحاث الأولية حيث أن الأخت قد توفت قبل حوالي 5 أشهر، فيما كانت وفات الأخ بعدها بأسابيع جوعا وعطشا ، فلما لا وأخته كانت هي التي تعيله، تغذيه وتغسله وتغطيه… السؤال المطروح أين الجيران وأين العائلة؟
بعد طرحنا للسؤال ذاك، عثرنا على الجواب في وقت لا يتعدى 5 ثوان، فالجيران هم من أبلغوا المصالح الأمنية فور انبعاث روائح كريهة من المنزل، أكرر وأعيد فالجيران هم من أبلغوا المصالح الأمنية فور انبعاث الروائح الكريهة من المنزل.. أعتذر، ولكن القلم توقف هنا ولم يعد قادرا على إتمام هذه المقالة.. فهل وصل بنا الزمان إلى هذا الحد من الانفرادية والتشبث بعدم التدخل في شؤون كانت في أزمنة غير بعيدة من أولوياتنا؟ هل وصل بنا الحال إلى عدم اهتمامنا بالجيران والعائلة وصلة الأرحام؟ ألم يوصينا ديننا الإسلام بتطبيق ما جاء به من وصايا الإحسان إلى الجار قولا وفعلا، وزيارتهم في الظروف العادية ومواساتهم في أحزانهم ومشاركتهم في أفراحهم؟ ألم يوصينا ديننا الإسلام بتفقد الجار وتلبية احتياجاته عندما يفقدها مع القدرة على ذلك؟ هل ماتت في قلوبنا الإنسانية فلم نعد نسأل عن بعضنا حتى وإن اختفى أحدنا في ظروف غامضة؟ هل الرائحة الكريهة فقط هي النقطة التي تغير مجرى الجوار وتجعلنا ننتبه لشيء غريب وفقدان للغير؟
أسئلة هي نهر داخل محيط، أسئلة تجعل من المقاربة الإنسانية والدينية والأخوة والعمومة والزمن الجميل. كل شيء تغير فقبل زمن ليس ببعيد كان الجار والعم والشيخ والفقيه… في نفس درجة الأب والأم ، كان الصغير يقبل أياديهم، وكان بيت الجار بيتنا الثاني ، نشارك طعامنا وأفراحنا وأحزاننا وحتى عراكنا، كان كل شيء جميل ، فأما الآن فقد صار الجار عدوا لدودا، وسببا في الصراعات والسحر والشعوذة والقتل والسجن ، والتوسط سوءا بين جار وأخر وبين فرد من العائلة وأخر ، صار الجار في زمننا هذا لا يبالي إلا لنفسه ، بل تعداه إلى مسألة أكثر قوة، فلم يعد حتى للعمومة والنسابة والدم قيمة في بيوتنا.
في كل المجالات التي تقبل الخطأ والصواب أيضا مقالنا هذا ومجاله يلزم علينا أن لا نعمم ما قيل ، لأن الكثير منا أيضا ما زال متشبثا بتقاليد أجدادنا وتراثنا الذي يضع الجيران والعمومة … في قيمة ودرجة عالية من الحب والتقدير والاحترام.
قصة الشقيقين التي تعرفنا عليها عبر الفضاء الأزرق ” الفيسبوك ” قصة واحدة من ألاف القصص التي لم تصلنا، والتي قد وصلتنا بالفعل عبر سنوات وعقود وأجيال، تضعنا في وضع لا نحسد عليه، وتجعلنا إن كنا بالفعل نستحق لقب ” إنسان ” نعيد النظر في ما تم بالفعل، وإعادة الاعتبار لديننا وإنسانيتنا وتراثنا المغربي الذي يحمل تراكمات هائلة من الإنسانية، ويتوفر على منابع جد زاخرة بالحب والاحترام والتقدير والتضامن والتعايش ، لا مع الجار فقط، ولا مع المسلم فقط، بل مع الإنسان حتى وإن كان لا يقاسمنا الدين ذاته والبلد ذاته …
أخيرا، أنا لا أعاتب جيران الشقيقين “رحمها الله وغفر لهما وجعل متواهما الجنة”، لأننا كلنا معنيون جار وإنسان، أفراد وجمعيات ومنظمات، علماء ومثقفون…