باب ناظور

تعد ليلة القدر من أهم الليالي و أعظمها عند المسلمين، فهي التي قال عنها الله تعالى: “ليلة القدر خير من ألف شهر” أي أن أجر قيامها يعتبر أفضل من عمل ألف شهر. و تقع هذه الليلة في العشر الأواخر من شهر رمضان.

و تستمد أهميتها من كونها شهدت نزول أول الآيات القرآنية إلى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم، وهي الليلة الوحيدة التي يتنزل فيها جبريل عليه السلام إلى الأرض من بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، و من هنا يتضح لنا أهميتها و فضلها و لذلك أردنا تخصيص هذا المقال لمعرفة كيفية إحياء ليلة القدر و متى تقع و ما هي علاماتها و أجرها.
لقد اختلف العلماء في الحكمة من تسمية هذه الليلة بليلة القدر فهناك من قال أنها سميت بهذا الاسم لكون الآجال و الأرزاق تقدر فيها و كل ما يكون في السنة من التدابير، في حين يرى آخرون أنها سميت بليلة القدر لأن الملائكة تكتب فيها الأقدار كما جاء في قول الله عز و جل: “فيها يفرق كل أمر حكيم”. أما البعض الأخر فيقول أن ليلة القدر سميت بذلك لعظم قدرها و شرفها، و قيل أيضا أنها سميت بليلة القدر لما يقع فيها من تنزل الملائكة، و كذا لما ينزل فيها من الرحمة و البركة و المغفرة و كون الذي يقيمها يصبح ذا قدر. أما القول الأخير فيرى أن ليلة القدر قد سميت بهذا الاسم من باب التعظيم لما لها من قيمة و قدر و منزلة عند الله سبحانه و تعالى و ذلك لنزول القرآن فيها، و قد قال الله عز و جل: “إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين”.

الكثير من الناس يعتقدون أن ليلة القدر هي ليلة السابع و العشرون من رمضان، إلا أن ذلك غير صحيح و إنما يرجح أن تكون في هذه الليلة بإجماع أهل العلم، و لذلك خصصنا هذه الفقرة من المقال للحديث عن كيفية إحياء ليلة القدر و وقتها.
فليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان و أعظمها فهي الليلة التي أنزل فيها القرآن و هي خير من ألف شهر، و تقع هذه الليلة في العشر الأواخر من شهر رمضان و هي إحدى الليالي الفردية لما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم: “التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي”، أي أنها تقع إما في ليلة إحدى و عشرون، أو الثلاث و عشرون، أو خمس و عشرون، أو سبع و عشرون، أو ليلة تسع و عشرون. و ليلة القدر ليست بليلة ثابتة كما يعتقد الكثيرون و إنما هي متنقلة بين الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان الفضيل، فعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله عليه الصلاة و السلام قال: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان” (أخرجه البخاري ومسلم)، و لذلك ينبغي لمن أراد تحصيل أجرها و فضلها و أن لا يفوتها، أن يجتهد و يثابر و يواظب في طلبها عن طريق قيام الليالي العشر الأخيرة من رمضان دون أن تفوته ليلة منها. و الحكمة من إخفاء ليلة القدر بحسب العلماء، هي الاجتهاد في طلبها و التماسها، فلو عينت و عرفت لاقتصر طالبها عليها، و أيضا لكي يزداد الناس عملا صالح يتقربون به إلى الله سبحانه و تعالى.

و كما سبق الذكر فإن ليلة القدر تكون في إحدى الليالي الفردية في الأيام العشر الأخيرة من شهر رمضان، و هناك علامات تدل على أن هذه هي الليلة المقصودة بليلة القدر، و ذلك ما سنتطرق إليه في هذه الفقرة أي كيفية إحياء ليلة القدر و علاماتها.
إن أبرز علامات ليلة القدر هي ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، فعن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: “إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرا ساطعا ساكنة ساجية، لا برد فيها و لا حر، و لا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح، و إن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، و لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ” (رواه أحمد في المسند). و توضيحا للحديث النبوي الشريف فإن ليلة القدر تكون فيها الإضاءة و النور كثيرة و عجيبة و في زمننا هذا زمن الكهرباء، يصعب علينا ملاحظة أو الشعور بهذه العلامة. كما أن في هذه الليلة المباركة يشعر الإنسان بالطمأنينة و السكينة كما يحس المؤمن بانشراح صدره و راحته. و في هذه الليلة أيضا تكون الرياح ساكنة و هادئة، و يكون الجو معتدلا لا باردا و لا حارا. كما يمكن في هذه الليلة العظيمة أن تراود بعض المنامات المؤمنين المخلصين كما كان يحصل مع بعض الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
و العلامات السالفة الذكر تكون الليلة التي تصادف ليلة القدر، و أما العلامات التي نلاحظها في صبيحة اليوم الذي يلي ليلة القدر فهي كالآتي: أن الشمس تكون صافية و ليس لها أية إشعاعات، و ذلك لما ورد عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه قال: “أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صبحة ليلة القـدر تـطلـع الشمس لا شعاع لـها كأنـها طـسـت حـتى تـرتـفع”. و هناك أيضا بعض العلامات الغير المؤكدة التي تدل على ليلة القدر من قبيل: عدم نباح الكلاب و القطط، و أيضا عدم سقوط النجوم فيها و عدم نزول المطر.

لقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قيام ليلة القدر إيمانا و احتسابا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”. و لمن لا يعرف طريقة قيام ليلة القدر خصصنا هذه الفقرة من المقال لتوضيح و شرح كيفية إحياء ليلة القدر و قيامها.
تعتبر كل العبادات في ليلة القدر مستحبة حيث لا توجد عبادة واحدة أو معينة في هذه الليلة، و على رأس هذه العبادات المستحبة في هذه الليلة العظيمة الصلاة و قراءة القرآن. كما انه يستحسن للإنسان المسلم أن يتفرغ بشكل كامل للعبادة في الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان للعبادة لعله يدرك هذه الليلة التي تعتبر خير من ألف شهر.
و الصلاة في هذه الليلة هي نفس الصلاة التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و عن طريقة و كيفية إحياء ليلة القدر فهي على الشكل التالي:
– النية لإقامة ليلة القدر.
– الاغتسال و إتمام الوضوء.
– و تبدأ صلاة ليلة القدر بعد صلاة التراويح.
– صلاة ركعتين ركعتين وراء الإمام.
– قراءة سورة الفاتحة ثم قراءة أي سورة من سور القرآن.
– التكبير و الركوع و قراءة ذكر الركوع “سبحان ربي العظيم” ثلاث مرات.
– التكبير و النزول للسجود و تلاوة ذكر السجود “سبحان ربي الأعلى” ثلاث مرات.
– ثم قراءة الصلاة الإبراهيمية في السجود الأخير من الركعة الثانية.
– ثم إنهاء الصلاة بالتسليم.
– و بعد ذلك البدء من جديد في صلاة ركعتين، أو إعطاء المصلين وقت للراحة ثم المتابعة.
– و يستمر المصلين على هذا المنوال إلى ما قبل دخول وقت صلاة الفجر لقوله تعالى: “سلام هي حتى مطلع الفجر”، حيث يعطي الإمام فرصة للمصلين لتناول وجبة السحور للاستعداد ليوم جديد من الصيام.
– و يستحب أن تتبع الصلاة بالاستغفار و كذا جوامع الأدعية المستحبة في الدين الإسلامي بالإضافة إلى الإكثار من الصلاة على حبيبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و تجديد التوبة مع الله تعالى بين الحين و الأخر.
– و من بين الأدعية التي يفضل أن يدعي بها الإنسان في ليلة القدر ما علمه رسول الله عليه الصلاة و السلام لعائشة رضي الله عنها قالت: “قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟”، قال: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
و هناك من يعتكف في المساجد حتى لا تفوته أي ليلة من الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان. كما يجب أن تقترن هذه العبادات بالإيمان بأن هذه الأعمال لله سبحانه و تعالى، والاحتساب بأجرها العظيم من الله، وطلباً لوجه الكريم، لا لرياء أو غيرها، والحرص على عدم تضيع أوقات هذه الليلة بأمور الدنيا الأخرى المضيّعة للأجر. و علينا باتباع هدي النبي عليه الصلاة و السلام فيما كان يفعله في العشر الأواخر من رمضان إذ قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها انه بمجرد دخول العشر الأواخر: “شد مئزره أي اعتزل نساءه”، وأحيا ليله “أي أقام الصلاة حتى بزوغ الفجر”، و أيقظ أهله “أي لم يشأ ضياع ما في هذه الليلة من أجر على أهل بيته جميعهم”.

لليلة القدر فضائل كثيرة و مكانة عظيمة سنتطرق إليها من خلال هذه الفقرة التي خصصناها لطريقة و كيفية إحياء ليلة القدر و فضلها.
لقد اشتملت سورة القدر على الفضائل الكثيرة لليلة القدر منها:
– هي الليلة التي انزل فيها القرآن الكريم، قال الله تعالى: “إنا أنزلناه في ليلة القدر”.
– كون العبادة فيها، من صلاة و قراءة القرآن و استغفار و تهجد و دعاء، خير من عبادة ألف شهر كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: “ليلة القدر خير من ألف شهر”.
– كما يتخلل هذه الليلة نزول الملائكة على الأرض كعنوان على الرحمة و الخير الذي يتجلى في هذه الليلة المباركة، قال الله عز وجل: “تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من كل أمر”.
– كما يسلم الإنسان في هذه الليلة من الآثام و العقاب و العذاب، كما لا يستطيع الشيطان أن يعمل سوء في هذه الليلة مصداقا لقوله تعالى: “سلام هي حتى مطلع الفجر”،
– هي مناسبة لمغفرة الذنوب لمن قامها و احتسب أجرها عند الله سبحانه و تعالى، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم انه قال: “من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”.

نسال الله العلي القدير أن يجعلن ممن يبلغون رمضان و ليلة القدر، و أن يوفقنا و يعيننا على قيامهما إيمانا و احتسابا. متمنيين أن يكون موضوعنا هذا الذي تمحور حول كيفية إحياء ليلة القدر، قد نال إعجابكم و أن تشاركوه مع أحباءكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. و للمزيد من المقالات و المواضيع القيمة و المفيدة.