تصريحات مثيرة تلك التي أطلقها ناصر الزفزافي، أيقونة “حراك الريف”، إبان جلسة محاكمته قبل يومين؛ فبعد أن طلب من والدته مغادرة الجلسة، روى مزاعم تعذيبه إبان فترة اعتقاله، معلنا أنه تعرض لوابل من الضرب والشتائم؛ ناهيك أن أحد عناصر الفرقة الوطنية “وضع إصبعه في دبره”، وحين اعتراضه يضيف: “قام بجلب عصا خشبية ووضعها في دبري”.

تصريحات الزفزافي أثارت موجة من الجدل، إذ يطالب حقوقيون بضرورة فتح تحقيقات في صحتها، معلنين أنها تعيد الدولة إلى “أزمنة غابرة”، ومؤكدين أنها تسيء إلى سير المحاكمة.

وفي هذا الإطار قالت خديجة الرياضي، الناشطة الحقوقية، إن تصريحات الزفزافي “تفضح ما نقوله باستمرار بشأن كون التعذيب لازال مستمرا ولازال سلوكا تتبعه الأجهزة الأمنية بشكل ممنهج”، مشددة على أن ما تعرض له المعتقل يعد “جريمة خطيرة يجب فتح تحقيق بشأنها”.

وأكدت الرياضي، في تصريح لهسبريس، أن التعذيب في المغرب “لازال يصل إلى مستويات فظيعة مثل التي صرح بها المعتقل السياسي ناصر الزفزافي”، معتبرة أنه “ليست هناك إرادة سياسية حقيقية للقطع مع هذا النوع من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛ وبالتالي فالمحاكمة اليوم أصبحت غير عادلة”.

وأوضحت الناشطة الحقوقية أنه سبق المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن أصدر تقريرا حول التعذيب، إلا أن “المحكمة لم تأخذه بعين الاعتبار”، مطالبة بضرورة “إسقاط المحاضر التي تم إعدادها تحت التعذيب”، و”القطع مع الإفلات من العقاب الذي يشجع على مثل هذه الممارسات الفظيعة”.

من جانبه قال محمد السكتاوي، المدير العام لفرع منظمة العفو الدولية في المغرب: “هذه العادة السيئة التي تعود إلى سنوات مضت يجب أن نكون قد قطعنا معها، كما يجب أن تكون للمحكمة الجرأة في اتخاذ قرارات التحقيق في شأن هذه المزاعم وتفحصها، وتبين ما إذا كانت صحيحة أم لا، وتقديم المتورطين في حالة ثبوت مزاعم التعذيب إلى العدالة”.

وأوضح السكتاوي، في تصريح لهسبريس، أنه سبق لمنظمة العفو الدولية أن سجلت غشت الماضي أن عددا من معتقلي حراك الريف تعرضوا للتعذيب أثناء الحجز، مضيفا: “ناشدنا السلطات المغربية من أجل إجراء تحقيق شامل ومستقل ومحايد في هذه المزاعم وإسقاط أي اعترافات منتزعة بالإكراه وعدم الأخذ بها في إجراءات المحاكمة”.

وأكد المتحدث أيضا أنه سبق للزفزافي أن طالب بفحص طبي لتوثيق الاعتداءات، كما طالب محاموه بالتحقيق في هذه المزاعم؛ ناهيك عن أن محامي عدد من معتقلي الحراك سبق أن طلبوا إجراء تحقيقات بشأن مزاعم تعذيب في حالات متعددة لا تقل عن 23 حالة، “إلا أن المحكمة لم تأخذ بهذه الطلبات في أغلب حالات التعذيب”، حسب تعبيره.

وواصل السكتاوي: “المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف بالحسيمة سبق أن أعطت أوامر بإجراء تحقيقات في بعض مزاعم التعذيب، لكنها لم تعط أي اعتبار لهذه التحقيقات، ولم تنتظر حتى في نتائجها؛ فحتى حينما تجرى تحقيقات في هذا الإطار تتقاعس المحكمة عن النظر إليها وتستبعدها من الإفادات التي قد تكون منتزعة تحت التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة”.

وشدد المتحدث على أن المغرب من الدول الأطراف في المعاهدات الدولية التي تحظر التعذيب، وهو ملزم قانونا بأن يجري تحقيقات محايدة في مثل هذه المزاعم ومحاسبة المسؤولين عن ارتكابها وتعويض الضحايا، منبها إلى أنه “لا يجوز الاسترشاد بإفادات منتزعة تحت وطأة الإكراه، إذ تصبح نتائج المحاكمة باطلة لكونها بنيت على باطل”.

من جانبه اعتبر حسن بناجح، القيادي في جماعة العدل والإحسان، أن “معتقلي حراك الريف يكشفون أبشع صور الحكرة”، مفيدا في “تدوينة” على “فايسبوك”: “تصريح الزفزافي يأتي بعد أسبوعين مما أورده معتقل آخر من معتقلي حراك الريف، وهو محمد المجاوي، الذي جاء بتصريح ثقيل خطير في جلسة المحاكمة، حينما قال: خيّروني بين أن أٌغرق الزفزافي أو تٌغتصب ابنتاي وزوجتي”.

وسرد بناجح ضمن “تدوينته” عددا من التساؤلات قائلا: “أين الدولة؟ أين هيبة الدولة المزعومة؟ أين العدالة؟ أين الحريات والحقوق؟ أين محترفو تكذيب التقارير الحقوقية حول المغرب؟ أين تسجيلات الاعتقال والتحقيق؟ لم لا تعقد النيابة ندوة صحافية، هذه المرة أيضا، وتطلعنا على تسجيلات الاعتقال والتحقيقات في كل هذه النوازل؟”.