زيجات كثيرة فشلت لأسباب واضحة، وأخرى لدوافع لا يعرفها سوى الأزواج، فالبيوت أسرار كما يقال. وكثيرة هي حالات الطلاق التي يدفع الأطفال فواتيرها، بينما يستمر الكبار في عيش حياتهم مع أزواج آخرين.

قليلون هم الآباء الذين يستوعبون تأثير هذا الوضع الجديد على التحصيل الدراسي لأبنائهم. نطرق هذا الباب رفقة الأخصائية النفسية فريدة الرحموني، التي ترى أن العلاقة المتوترة بين الأم والأب، التي يكون فيها الطفل مُستعملا بعد أن ينقطع التواصل أو يَقِلّ فيستغله كل طرف “سير قل لماماك”، “سير قل لباباك”، وإذا اتضح أنه لا أمل في عيش يجمعها، فمن الأحسن أن تنتهي بطلاق، لأنه سيكون أقل تأثيرا من العيش في وضع مكهرب ودائم الصراعات بين الوالدين.

وتزيد الأخصائية في علم النفس وعلم الضحايا بمدينة أكادير: “لا أريد لأي علاقة زواج أن تنتهي بفراق، فالطفل يحتاج والده كما يحتاج أمه، لكن حسب الحالات التي عاينتها، هناك حالات طلاق مفيدة للطفل، خاصة عندما يعيش بين أبوين لا يجمع بينهما سوى الصراخ وتبادل الضرب والعنف”.

وعن تأثير الطلاق عموما على مردودية الطفل دراسيا، تورد الرحموني في حديثها لهسبريس الإلكترونية: “يختلف الأمر من طفل إلى آخر؛ هناك أطفال متفوقون دراسيا رغم أنهم أبناء زوجين منفصلين عن بعضهما، ويعيشون مع أحدهما. لكن لا يمكن أن ننكر أن لانفصال الآباء تأثير سلبي عند غالبية الأطفال، سواء في سلوكهم أو في مردوديتهم الدراسية”.

وتضيف المتحدثة نفسها: “بعض أبناء المنفصلين يغيب عندهم التركيز في المدرسة، ولا ينامون بشكل جيد، أو يعانون من كوابيس، وبعضهم يصبحون عنيفين.. بعضهم يلازمهم إحساس بالذنب، إذ يعتقدون أنهم سبب المشاكل بين أبويهم، وكثير منهم انطوائيون ويميلون إلى الانعزال”.

وتردف الرحموني بأن “بعض أبناء المطلقين تزيد معاناتهم بارتباط الأبوين من جديد، فلا الأم تريدهم ولا الأب، بعد أن يبدأ كل واحد منهما حياة عاطفية أخرى؛ وحتى إن لم يكن هناك إهمال مادي فهناك عدم إشباع عاطفي”.

وبخصوص ما يجب القيام به عندما يتأكد الطرفان أن الطلاق حاصل لا محالة، تؤكد فريدة الرحموني في هذا الحديث مع هسبريس أن “المشكل ليس هو الطلاق في حد ذاته، بل في صيغته، وفي الطريقة التي يتم بها التعامل مع الطفل أثناءه”، وزادت: “على الأزواج المقبلين على الطلاق أن يفكروا جيدا في مصلحة أبنائهم، فإذا استحال استمرارية العيش معا يجب أن يتفاهموا على الطلاق، مع تنظيم الزيارات، وعلى كل طرف أن يوقر الطرف الآخر في حضور الطفل، فلا يجب أن تتحدث المرأة عن مساوئ طليقها بحضور ابنها، حتى لا تكسر صورته الجميلة في ذهنه، والأمر نفسه بالنسبة إلى الرجل”.

وتضيف المتحدثة: “هناك خوف فظيع يعتري الطفل بمجرد معرفته بطلاق والديه، والمشكل غالبا في الصيغة التي يتم بها إخبار هذا الصغير بالوضع الجديد. غالبا ما يكون الشخص الذي طلب الطلاق أول مرة مستعدا نفسيا لتحمل الوضع الجديد، ولم يطلب ذلك حتى استعد نفسيا بما يكفي، بينما الشخص الذي لم يطلبه لا يستوعب بما يكفي. لكن عليهما معا أن يعلنا للطفل أنهما سوف ينفصلان، وأن يخبراه أن انفصالهما عن بعض لا يعني انفصاله عنهما، إذ سيبقيان يرعيانه ويحميانه من كل مكروه، وأن حبهما له قائم وغير زائل رغم الوضع الجديد”.

ومما يجب القيام به أيضا، تورد الأخصائية النفسية: “في الغالب يعيش الطفل رفقة أمه، لكن يجب على الأب أن يبقى حاضرا في حياة طفله، وعلى الأم ألا تغيبه في بعض القرارات، لاسيما ما يتعلق بالنتائج، بالدراسة، ببعض القرارات التي تهم مساره، كما يجب عليها أن تخبره في مثل هذه المواقف بأن عليه استشارة الأب، ليشعر بوجودهما معا ويحس بالأمان”.

كما نصحت الخبيرة النفسية ذاتها الآباء المقبلين على الطلاق بتفادي تغييرات كثيرة، أو أن تكون بالتدرج على الأقل؛ فلا ينصح بتغيير مدرسة الطفل مباشرة بعد الطلاق، أو تغيير المنزل الذي كان يعيش فيه إلا لضرورة قصوى. وإذا كان لا بد من الرحيل يجب أن يساهم الطفل في عملية ترتيب الأشياء وجمعها، مع ضرورة الاحتفاظ ببعض معالم البيت القديم، وألا تكون هناك تغيرات كثيرة، لما لذلك من تأثير كبير على نفسية الطفل سلبا.

وتزيد الأخصائية النفسية موضحة: “ليس مهما أن يعرف الطفل تفاصيل الطلاق، لكن يجب أن نخبره بأننا لم نعد متافهمين، أو بأي شيء يشعره بأنه ليس السبب المباشر في الطلاق، لأن ذلك ينمي عنده عقدة الإحساس بالذنب”؛ وبخصوص ما يجب القيام به حيال مدرسته تقول فريدة الرحموني: “على الأزواج المنفصلين إخبار المدرسة بوضعية الطفل، كي يكون أساتذه على دراية بوضعه الاجتماعي، كما يجب على المدرسة إخبار والديه بأي تغير في السلوك أو اضطراب أو ميل إلى العنف”، وتستطرد في شرح هذه النقطة: “هناك نوع من الأطفال لا يثقون في البالغين بمجرد طلاق والديهم، إذ يرون فيهما شخصين غير مسؤولين، فيعممون هذه الصورة على جميع البالغين. ولا يغير الطفل هذه الصورة إلا إذا كان محظوظا بأن يكون لديه مرب أو أستاذ يستطيع أن يعيد إليه الثقة في الآخرين؛ فالأستاذ قد يمنحه الحرية في التعبير عن أحاسيسه”.

وحذرت الأخصائية النفسية الآباء من استعمال أبنائهم في خلافاتهم، كمن يرافق ابنه ليشتري له هدايا فقط من أجل أن يزوده بالأخبار، فيسأله أين كانت أمك؟ أين تذهب؟ …”فالأطفال ضحايا هذه الوضعية الجديدة، ولا يجب استعمالهم كشهود وجواسيس”، وفق تعبيرها.