قال محمد زين الدين، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة الحسن الثاني، إن “عملية الانتقال الديمقراطي بالمغرب يكتنفها المد والجزر، فهي حركة فيها الكثير من المد وتقع أحيانا بعض التراجعات، وهي مسألة طبيعية في الدولة السائرة في طور الانتقال الديمقراطي”.

وأضاف زين الدين، خلال ندوة في موضوع “الحكامة الأمنية بالمغرب والبناء الديمقراطي” بمدينة المحمدية، نظمت في إطار اليوم الدراسي المخصص لدراسة واقع وآفاق الحكامة الأمنية بالمملكة، أن “دستور 2011 يطرح مجموعة من الإشكالات الكبرى، بحيث نتوفر على دستور متقدم لكن النصوص القانونية متجاوزة، فضلا عن وجود نصوص جديدة تجد صعوبات في التطبيق بفعل إشكالات العقلية والإمكانيات”.

وأوضح أستاذ التعليم العالي، في معرض مداخلته التي تطرقت إلى الحكامة الأمنية باعتبارها مدخلا لتحقيق الانتقال الديمقراطي بالمغرب، أنه “ينبغي ملاءمة النص الدستوري مع النص القانوني، فضلا عن كون الرؤية الاستراتيجية التي تعتمدها الدولة، والتي ترتكز أساسا على البعد الاستباقي عقب أحداث 2003، تقتضي استحضار مختلف التحديات الجديدة، من قبيل ظواهر العنف والإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للقارات”.

وشدد المتحدث على ضرورة “اعتماد المقاربة المجتمعية عوض الاكتفاء بالمقاربة التكنوقراطية الصِرفة”، مشيرا إلى كون “الحكامة الأمنية تتطلب إعادة النظر في مرتكزات المشروعية والشرعية السياسية للدولة، ذلك أن دستور 2011 أقر مبدأ العيش الكريم لمختلف المواطنين، بينما تُعتبر المؤسسة الملكية قطب رحى العقيدة الأمنية للدولة، ما يثير إشكال الأولوية في علاقتها بالشرعية التقليدية والحداثية”.

 

“صرنا نتحدث اليوم عن مفهوم جديد للأمن يرتبط أساسا بالأمن الشامل، لأن توفير العيش الكريم والمساواة الاجتماعية والعدالة الضريبية وفرص الشغل يسهل على جهاز الأمن أداء مهامه، على أساس أن كل جهاز أمني له عيوب وانزلاقات، لكن الأمن المجتمعي بمختلف تمفصلاته يقلل هذه المخاطر”، يورد الأستاذ الجامعي.

من جهته، اعتبر سمير والقاضي، أستاذ القانون الإداري والدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، أن “الأمن غالبا ما نربطه في أذهاننا بالجانب المادي أساسا، في حين برز مفهوم الأمن المجتمعي في بداية تسعينات القرن الماضي خلال سياق ظهور العديد من التحولات التي جاءت بعد نهاية الحرب البادرة ونشوء معالم العولمة، مقابل المفهوم القديم-الجديد الذي أقترحه وهو العيش المشترك”.

وأورد والقاضي، خلال حديثه عن منطلقات وتأسيس الأمن المجتمعي بالمغرب، أن “الأمن المجتمعي يعد من أهم المواضيع التي تطرح في الدراسات الأمنية الحديثة المعاصرة، بحيث تجاوزنا النظرة التقليدية للمجتمع الذي تعتبره الدولة مجرد تابع، إلى نظرة أخرى تراه عبارة عن كيان مستقل عن الدولة، مما يجعل ميزة كل مجتمع عن الآخر تتجسد في القيم والممارسات التي تعكس مفهوم الهوية”.

وقال الأكاديمي المغربي إن “بعض المجموعات تجد نفسها مهمشة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ما يجعلها عرضة للتمييز وتسيطر عليها الهشاشة، وهو ما يولد الشعور بالإحباط والظلم، لتبرز استراتيجية المقاومة والانعزال الاجتماعي، لكن هذه الحالات قد تتحول إلى عنف وتهديد للتلاحم والأمن المجتمعي، وهو الوضع الذي يستلزم الانتقال من فكرة الانتماء إلى المجموعة صوب فكرة الانتماء الشامل إلى المجتمع والعيش المشترك”.

ويرى الأستاذ الجامعي ذاته أن “الأمن المجتمعي بكل بساطة هو خلق التوازن الفعلي بين الخصوصية وضرورة بناء منطق الاندماج داخل المجتمع، لأن التعايش المشترك يقوم على الاعتراف بالآخر، لكن المعضلة الأمنية تتمحور حاليا حول الهوية، وهي أزمة الأمن المجتمعي، بحيث تلجأ هذه الفئات إلى المكونات المجتمعية بدلا من مؤسسات الدولة”.