باب ناظور

أثار مقطع “فيديو” أظهر دخول تلميذات بمدينة الدار البيضاء في حالة بكاء هستيرية بإحدى المؤسسات التعليمية جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، انتقل معه النقاش إلى داخل الأسر المغربية أيضاً لتفسير هذه الظاهرة الغريبة، والتي اعتبرتها المديرية الإقليمية للتربية الوطنية تدخل في إطار “حالات نفسية”، لكن هناك من شكك في صدقية الرواية الرسمية.

الخبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي جواد مبروكي حاول مقاربة هستيريا تلميذات مدرسة الإمام القسطلاني، مشيرا بداية إلى أن “مرض الهستريا في الطب النفسي يختلف تماما عن كلمة الهستريا المستعملة عند العامة، والتي تصف حالة قلق مفرط لفظي وجسدي يفوق بكثير حجم المشكل المتسبب في اندلاع القلق”.

ويُوضح مبروكي أن الهستريا في الطب النفسي تعتبر مرضا تظهر فيه أعراض عضوية، مثل الشلل الجسدي، والاختناق، وفقدان الصوت أو النظر، وفقدان الوعي، وتغير صوت المريض، مضيفا أن “الطب النفسي يفسر هذه الحالات بأن سببها عذاب نفسي داخلي لا شعوري، يتحول الجسد إلى خشبة مسرح له، في حين أن الفحص الطبي لا يجد أي خلل عضوي”.

ويُشير الخبير النفسي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أنه في حالة الهستريا الجماعية “ليس من الضروري أن يكون الضحايا من نفس السن ونفس المستوى الاقتصادي الاجتماعي”، وزاد: “هناك حالات نادرة من الهستريا الجماعية في أدبيات الطب النفسي”.

ويعتقد مبروكي أن ما حدث في هذه الإعدادية “ليس بهستريا جماعية، وحظوظ تناولهن جميعا مخدرا في آن واحد ضئيلة جدا”.

ويُلاحظ المتحدث أن مراهقات إعدادية الإمام القسطلاني بالدار البيضاء “كلهن تقريبا من نفس السن”، مضيفا: “أظن أنهن من نفس الطبقة الاجتماعية، وهذا يسمح لي أن أتصور أنهن يتألمن من نفس المشاكل الاجتماعية والضغوطات العائلية”.

وزاد بأنه “مع بداية تغير جسدهن من جسد فتاة إلى جسد امرأة، والقدرة على الإنجاب، مع ظهور الخصائص الجنسية الثانوية (الحيض، الصدر…)، يحصل تغيير كبير وسريع يرافقه شعور بأن المراهقة أصبحت “مرغوبا فيها جنسيا” من طرف الذكور”.

وأضاف مبروكي أن “المراهقات لا يشعرن بأي مرافقة في هذه التغيرات الجسدية، إضافة إلى غياب التربية الجنسية والملاحظات الأبوية ذات الطابع الجنسي، مع الإحساس بالذنب”، لافتا إلى “هشاشة الأرضية النفسية عند التلميذات المراهقات، مع تراكم الشحنات العاطفية والمسكوت عنه”.

ورجح الأخصائي أن ما وقع للتلميذات كان بسبب استعدادهن “لإخراج هذه الشحنات العاطفية الهائلة عند أي فرصة تتاح لهن”، وزاد: “ربما المشعوذ المذكور كان فقط نذيرا لانطلاق هذه النوبة النفسية الجماعية. ولما بدأت تبكي أول مراهقة، اقترحَت بشكل لاوعي على زميلاتها البكاء. ولما بكت الثانية أصبح الاقتراح اللاوعي مهماً وانطلقت ظاهرة الكرة الثلجية.

واسترسل “بالمناسبة ظهرت مراهقة في الفيديو تصرخ وتدفع امرأة راشدة وكأنها تقول لها “ابتعدي منا، هذا لا يعنيك، لست قادرة على فهم ما نعيشه يوميا، ابتعدي واتركينا نبكي لنخفف من عذابنا””.

وخلص جواد مبروكي إلى القول: “نشاهد الظاهرة نفسها في كل المجتمعات، ونسميها “حالات الغفوة أو الغيبوبة”، وهي نوع من أنواع التنويم المغناطيسي الجماعي”، مضيفا: “في المغرب نرى كثيرا هذه الحالات الجماعية، والتي نسميها “الحْضْرة أو الجْدْبة”، في كثير من المناسبات، مثل ليلة عيساوة، أو في عدد من المواسم، مثل موسم الشيخ الكامل بمكناس، حيث نشاهد غيبوبة جماعية، وهناك من يستهلك دم “الْهْدْيَّة” أو “القبان” والماء الساخن”.

المصدر هسبريس