صدر للشاعر المغربي سعد سرحان كتاب جديد بعنوان “مرايا عمياء”، عن منشورات بيت الشعر في المغرب، في طبعة وغلاف أنيقين من تصميم الفنان عزيز أزغاي. الكتاب جاء في 84 صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن تأمّلات في شأن الكتابة.

في “مرايا عمياء”، يكتب الشاعر سعد سرحان عن الشعر، هَمِّهِ الأثير، وأداتِه المصطفاة لتناول العالم من حوله كما لو أنه وجبة لا تنتهي، فيبسط الهمَّ ذاكَ في أكثر من نص، ويصقل الأداة تلكَ في غير ما صفحة.

ويدافع الشاعر عن اختياره: الكتابة الشذرية، فيجعل من الأصيص صنوًا للغابة، ومن الحصاة ندًّا للجبل. ولأنّ الشعر أخذ العدالة عن اللغة التي أنجبته، فلا بد أنّ الشذرة أخت الملحمة: أختها الكبرى على الأرجح.

وينبِّه الأديب في كتابه الجديد إلى أهمّية التنقيح في الشّعر كما في غيره من الفنون. وإذ يشبِّه الأمرَ بتشذيب الشجر الذي يسمح بإعادة توزيع الأنساغ، لا يفوته أن يشير إلى الظّلال وما تصير إليه بعد التشذيب. أمّا اليد التي تشذب فهي عند الشاعر وصيفةُ المخيلة.

“مرايا عمياء” عبارة عن دعوة كريمة من الشاعر إلى قلب ورشته القصيّة، حيث الشعر ليس موهبة فحسب، وإنما هو صناعة أيضًا يأخذها الشاعر عن الصمت، وحذق يأخذه عن الأناة…

وفي الورشة تلكَ، سيقف القارئ أمام أشياء الشاعر الخاصة وعلى نظرته إليها في عزلته المجيدة.

وعلى امتداد صفحات الكتاب، يُفحمنا سرحان بأن الشعر بصيرٌ جِدًّا، وحتى من دون عصابة على العينين، فهو لا يرى نفسه في ما حوله : فكل ما حوله مرايا عمياء.

يذكر أنه سبق لسعد سرحان أن أصدر شعرًا ونثرًا مجموعةً من الكتب؛ منها “حصاد الجذور” 1994، “نكاية بحطّاب ما” 2004، “ديوان المائدة” 2014، “مراكش: أسرار معلنة”، بالاشتراك مع الشاعر ياسين عدنان، 2008 و”أكثر من شمال أقل من بوصلة” 2013.

من أجواء الكتاب نقرأ:

الشّاعر والحاجر

خلال مسيرة الشعر الطويلة، ظلّ الشعراء يضعون قصائدهم في نفس الكفّة من الخُرج. ولقد وجدوا دائمًا من يضع أحجارًا في الكفّة الأخرى. الأحجار تلك لم تكن تضمن التوازن فحسب، وإنّما جعلت بثقلها كفةَ الشعر هي الأعلى.

الشعراء والحُجراء واكبوا الرّكب منذ فجر الرذحلة. ولعلّ الضّجر، أو لعلّها الوعثاء ما جعل بعضهم يضع صنيعه في كفّة البعض الآخر.

علبة السرعة

في أواسط القرن الماضي، دخلت عربة الشّعر العربيّ ـ محمّلة بعصورٍ منه ـ منعطفًا غريبًا. لم يكن عليها أن تقطع الطريق فحسب، بل أن تعبِّده وتستكشف محيطه أيضًا. لقد كان للمخيّلة أدوار عديدة، لعلّ أهمّها دور

علبة السرعة، ما جعل العربة تلك ذات دفع أسطوري، حتى أنّ القصائد الأولى لتلك الفترة كانت تعجُّ بالآلهة من مختلف الجنسيّات والأحقاب.

مياه كثيرة جفّت تحت الجسر قبل أن تفاجأ العربة، وغيرُ قليل من ركّابها، بهذا الطريق السيّار الذي لا إشارة فيه لتحديد السرعة، وحيث المخيّلات الرقمية تَبُزُّ بعضها في التجاوز وإطلاق المنبِّهات.

والجسر؟

هل تذكرون ذاك الجسر؟

لقد تداعى تمامًا ولم يعد بإمكان العربة أنْ تعود القهقرى.

اليد الأخرى

اليد الأخرى هي يد الشاعر التي تنتهي بذراع مورقٍ وعشٍّ به بُيوض كثيرة، إنْ فقست الواحدة منها بأجنحة فهي دوريٌّ، وإنْ بلا أجنحة فهي سحليّة. وشتان بين الطيور والزواحف.

فلنكتب بأيادٍ ترفرف عسى ألاّ تخذلنا الأجنحة.

حادثة شعر

لَكَمْ كنتُ في صغري أحتاج إلى أكتاف تحملني لأرى ما يحدث كلّما تحلّق الناس حول شيء أو حدث ما. ولأنّني لم أكبر كما تنبّأت لنفسي ذات يوم بعيد، فإنّ حاجتي للأكتاف تلك قد كبرت بدلًا مِنّي.

القصيدة الآن أكتافٌ عالية، وأنا طفل كبير يؤرجح رجليه فوق صدرها، ويتفرج على حوادث الشعر الرائعة وهي تُردي العالم أشدَّ حياة.

حليب

ما من كاتب إلا وبدأ شاعرًا. فالشّعر حليب الكتابة يرضعه من مختلف الحلمات مبدعون من مختلف الأحلام، قبل أن يشيحوا عن الأثداء بإغراء من موائد أخرى.

وحده الشّاعِرُ الشّاعِرُ عصيُّ الفِطام. فهو مِصفاةٌ لتكرير حليب الشعر وتحويله إلى طاقة تضيء أرجاء الروح.

فشكرًا للقصائد

لحليبها

يسفحه

الشعراء

فإذا ابتسامة الشّعر ناصعةٌ

وناصعةٌ أمام مرآة الحياة.

نزهـــة

ما من شاعر (وأقصد هنا الشاعر طبعًا) إلاّ ويقترح على أسلافه أشكالًا وصورًا لم تخطر لهم على قريحة. فهو بذلك يردّد مع المعرّي : إنّي وإن كنت الأخير زمانه…

من جهتي، لو كنت أملك بضعة هكتارات من الأرض لكنت انصرفت عن الكتابة إلى شقيقتها الزراعة، ولكنت اقترحت على أسلافي طرقًا مبتكرة في الريّ وتشذيب الظّلال وتربيّة الهواء… ولكنتُ لَقَّنْتُ التّراب دروسًا غير تلك التي ينساها مع أوّل جفاف.

هكذا… كنتُ سأكتب فعلًا قصائد صالحة للنّزهة.

تشابـــه

إن الشّساعة هي ما كان يُميِّز حياة الإنسان العربي قديمًا. فقد كانت الصحراء بيته والواحة حاكورته، فإذا سافر فَلِشهور، وإذا تزوّج فمن سربِ نساءٍ، وإذا حارب فلأربعين عامًا… لذلك فلا عجب أن يكون شعره عبارة عن معلّقات…

أمّا الإنسان العربي اليوم فيعيش في شقّة… أو في (أستوديو)، ويسافر في الطائرة… أو في (T.G.V)، ويتزوّج من واحدة على الأكثر (ولَكَمْ هو فحلٌ إذا لم يَسْتَجِرْ بالحبّة الزرقاء)، ويحارب لمدة ستّة أيام (قبل أن يستوي على الهزيمة)، كما أنّه لا يكفُّ عن النّظر إلى ساعته الإلكترونية… فهل من عجب أن يكتب قصائد تشبه نمط حياته ؟

غبار

بعض الشعراء يكتبون قصائد غير متجذّرة حتى في الورق الذي كتبت عليه، بحيث يستطيع القارئ أن ينفض الورقة فتتطاير الكلمات كالغبار.

الكلمات في القصيدة يجب أن تكون لها جذور، وإلا فلن تظلّ على قيد الشّعر، فأحرى أن تينع بين يدي القارئ… رغم ما قد يغدق عليها من ماء وسماد.

زهـــد

لعلّ البلاغة العربيّة انشحذت على أكثر من مِسَنٍّ : المدح، الهجاء، الفخر، الرثاء… حتى صارت بمُضَاءٍ يصعب عدم استعماله.

الشعراء العرب الذين يكتبون قصائد متخفّفة من أحمال الماضي هم كورثة ثروة كبيرة يفضّلون العيش على الكفاف : إنه الزهد الشعري.

الشاعر العربي القديم كان يستوثر شعره مثلما يستوثر فراشه. أمّا الشاعر اليوم فعليه أن يسترشق (من الرّشاقة) قصيدته تمامًا كما يسترشق عشيقته.

الحجر والشرارة

إن وجود حجرين على قارعة الطريق لا يولِّد نارًا، إذ يلزمهما الاحتكاك بقوة معينة قبل أن تندلع أولى الشّرارات.

الشّرارة هي عمل الشاعر. فإذا نجح في توليدها، فإنّه يضرم الدهشة والمتعة في القارئ. وإذا لم ينجح في ذلك، فإن النتيجة هي هذه الأكوام من الحجر التي تفترش ورق الكثير من المجلات والدواوين والجرائد.

أخوة

لربما كانت اللغة إحدى العدالات الأولى التي سنَّتها البشريّة في كل العصور. فكما أنّ الأخضر واليابس سيّان أمام النار، فإن الحصاة والجبل متساويان أمام عدالة اللغة : فالحصاة كلمة والجبل كلمة فقط وليس كتابًا بسبب حجمه مقارنة مع الحصاة.المتناهي الكبر والمتناهي الصغر أصبحا صنوين أمام عدالة أخرى هي عدالة العلم. فالبحث عن مجرّات أخرى بتيلسكوبات عملاقة يكلّف ما تكلّفه مختبرات البحث عن أسرار فيروسات شديدة الفتك، مع أنها بالكاد ترى تحت ميكروسكوبات شديدة التكبير. هكذا إذن يساوي العلم بين الذرة والمجرة..

وأما بعد: ألن يكون الشّعر أكثر عدالة فيؤاخي بين الشذرة والملحمة؟