تواترت في الآونة الأخيرة خرجات عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، بشكل لافت، وتطرقت لمواضيع شتى حتى وصلت إلى حديثه عن إمكانية مقاضاة الملك من طرف أي مواطن، في سياق حديثه عن متابعة عبد العلي حامي الدين؛ لكن الأمر لا يستقيم بهذه البساطة والسهولة التي تحدث عنها بنكيران، فالمبدأ الدستوري يقول إن الملك لديه حرمة، أي أنه يتمتع بحصانة مطلقة.

ويتجلى هذا الأمر في الدستور المغربي من خلال الفصل 46: “شخص الملك لا تنتهك حرمته”، وهو ما يعني أنه غير مسؤول لا سياسياً ولا قانونياً. وفي الأنظمة الملكية، مثل النرويج وإسبانيا، تتم الإشارة إلى هذا المعطى بشكل مباشر في الدستور؛ ما يعني أن هذا الأمر لا يقتصر على بلد دون آخر، بل هو مبدأ دستوري متعارف عليه.

ويقول أحمد بوز، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالعاصمة الرباط، إن المبدأ يشير إلى أن الملك لديه حصانة سياسية يتمتع بها، نفس الشيء بالنسبة إلى رؤساء الدول طيلة وظيفتهم؛ لكنه أشار إلى أن التصرفات القانونية ذات الطبيعة الإدارية الصادرة عن الملك في المغرب يمكن أن تخضع للطعن.

ويوضح بوز، في حديثه لهسبريس، قائلاً: “فمثلاً، القُضاة يعينون ويعزلون بظهير في الوضعية السابقة، والقاضي المعزول المتضرر لديه الحق أن يطعن في الظهير؛ لكن المجلس الأعلى، الذي أصبح محكمة النقض اليوم، سبق أن رفض عدداً كبيراً من الطعون في الظهائر”.

وأشهر هذه الطلبات المرفوضة تلك المعروفة والمشهورة بمزرعة عبد العزيز التي تعود إلى سنة 1970، والتي قضى فيها القضاء بأن الأعمال والتصرفات الصادرة عن الملك ليس لها طابع إداري، وبالتالي لا يمكن الطعن فيها بالشطط في استعمال السلطة، والمطلوب هو تقديم تظلم استعطافي.

ويتذكر الأستاذ الجامعي بوز في هذا الصدد ميشيل روسي وعبد القادر باينة، فقيهي القانون الإداري بالمغرب، اللذين اعترضا على هذا الاجتهاد واعتبراه غير قائم على أي سند دستوري، وقال إنهما أيدا إمكانية الطعن في الظهائر الملكية بدعوى أنها تصرفات ذات طابع إداري يمكن أن تشكل شططا في استعمال السلطة وأن يتضرر منها الآخرون”.

وقد بقي هذا الاجتهاد متواتراً كلما طرحت قضية فيها طعن في أعمال الملك؛ لكن الأستاذ الجامعي بوز يشير إلى أن دستور 2011 جاء بمقتضى جديد في الفصل 118 والذي يقول بأن “كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيمياً أو فردياً، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة”، ولم يتم استثناء الأعمال الملكية.

ويدفع هذا الفصل الدستوري الجديد، حسب بوز، تساؤلاً حول مصير اجتهاد القضاء الإداري بخصوص الطعن في أعمال الملك، ويضيف: “السؤال هل تم تجاوز الأمر وأصبح بالإمكان الآن الطعن في الأعمال الملكية أم لا؟”.

الجواب إلى حد الساعة غير معروف، ومرد ذلك إلى غياب تأسيس سوابق في ظل دستور 2011؛ لكن بوز يؤكد أنه من الناحية المبدئية “يمكن لأي مواطن متضرر من تصرف قانوني من عمل صادر عن الملك أن يرجع إلى القضاء”.

ويضيف بوز قائلاً: “الكرة لدى القضاء، هل سيبقى متمسكاً باجتهاد 1970 أم يمكن انطلاقاً من دستور 2011 وفصليه 114 و118 أن نجد أنفسنا أمام اجتهاد قضائي جديد يعطي الأحقية لإمكانية الطعن في التصرفات القانونية للملك عندما تتخذ طابعاً إدارياً وليس طابع سياسي لأن لديه حصانة سياسية؟”.

خلاصة القول تفيد بأن الأمر قضية اجتهاد قضائي، إذ ليس هناك نص دستوري يمنع الطعن في الأعمال الصادرة عن الملك ذات الطابع الإداري والتي يتضرر منها الأشخاص الآخرون.