(مراجعة نقدية في الأحاديث)

أردت أن أشارككم في هذا المقال بعض الحقائق التي كشف عنها البحث، وهي تبين أن كثيرا من الأحاديث الرائجة بين المسلمين تحتاج إلى قراءة نقدية علمية، تميز الأصيل من الدخيل والمرفوع من الموضوع والمعروف من المنكر؛ وخصوصا تلك التي تنفرد بالأحكام والعقائد والتصورات، ولم يرد لها ذكر في القرآن الكريم، ولا كان هو المؤسس لها.

وقد ارتأينا أن نقوم بعمل استقرائي وليس انتقائيا، يعرض جميع الأحاديث الواردة في هذا الموضوع من مصدرين اثنين، لهما مكانتهما عند المسلمين وعلمائهم، وخصوصا من سموا بـ”أهل السنة”؛ لإمامين مشهورين هما البخاري ومسلم. واشترطنا في هذا المقال أن لا نتعرض لأحاديث أخرى خارج الكتابين المنسوبين إليهما.

ذكرت هذه الأحاديث صيام يوم عاشوراء، جاء فيها أن موسى عليه السلام هو أول من صامه، وصام بعده اليهودُ اقتداء به ثم النصارى، ولما قدِم محمد عليه السلام المدينة وأخبره اليهود بأمره صامه وأمر بصيامه.

حديث بن عباس

أورد البخاري من حديث بن عباس: “أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لمَّا قَدِم المَدينةَ، وَجدَهُم يَصومونَ يومًا – يَعني عاشوراءَ- فَقالوا: هذا يومٌ عَظيمٌ، وهوَ يومٌ نجَّى اللهُ فيهِ موسى، وأَغرَق آلَ فِرعونَ، فَصام موسى شُكرًا للهِ، فَقال: أَنا أَوْلى بِموسى مِنهُم. فَصامه، وأَمَر بِصيامِه”. (البخاري 3397).

وجاء في روايات أخرى إضافات مختلفة مثل قوله: “فسألهم فقالوا: هذا اليومُ الذي ظهر فيه موسى على فرعونَ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (نحن أولى بموسى منهم، فصومُوه)”. (البخاري 4737) أو “قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومَ نجَّى اللهُ بني إسرائيلَ من عدُوِّهم، فصامه موسى. قال: (فأنا أحقُّ بموسى منكم). فصامه وأمَر بصيامِه” ( البخاري 2004). أو “فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: (أنتم أحَقُّ بموسى منهم، فصوموا)”. (البخاري 4680).

وجاء في رواية أنهم قالوا: “هذا اليومَ الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيما له، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (نحن أولى بموسى منكم). ثم أمر بصومه” .(البخاري 3943). وجاء في صحيح مسلم من رواية بن عباس: “ما هذا اليومُ الَّذي تصومونَهُ؟ فقالوا: هذا يومٌ عظيمٌ. أنجَى اللهُ فيه موسَى وقومَهُ. وغرَّقَ فرعونَ وقومَهُ. فصامَهُ موسَى شكرًا. فنحنُ نصومُهُ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فنحنُ أحقُّ وأوْلَى بموسَى منكمْ، فصامَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وأمرَ بصيامِهِ”. (مسلم 1130).

وجاء في نفس الرواية: “قدم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ. فوجد اليهودَ يصومون يومَ عاشوراءَ فسُئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر اللهُ فيه موسى وبني إسرائيلَ على فرعونَ. فنحن نصومه تعظيمًا له. فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: نحنُ أَوْلى بموسى مِنكُم. فأَمرَ بصومِه”.

كما جاء في إحدى صيغ رواية ابن عباس: “ما رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتحرَّى صيامَ يومٍ فضَّلَه على غيرِه إلا هذا اليومَ، يومَ عاشوراءَ، وهذا الشهرَ، يعني شهرَ رمضانَ .(البخاري 2006). وجاء في رواية مسلم: “سمع ابنَ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما. وسُئل عن صيامِ يومِ عاشوراءَ. فقال: ما علمتُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صام يومًا، يطلُبُ فضلُه على الأيامِ، إلا هذا اليومَ. ولا شهرًا إلا هذا الشهرَ. يعني رمضانَ .(مسلم 1132)

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم عاشوراء رغم أنه لم يصمه إلا مرة واحدة حسب رواية ابن عباس نفسها، والتي جاء فيها: “حين صام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِه، قالوا: يا رسولَ الله! إنه يومٌ تُعظِمُه اليهودُ والنصارى. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: فإذا كان العامُ المُقبلُ إن شاءَ اللهُ، صُمْنا اليومَ التاسعَ. قال: فلمْ يأتِ العامُ المُقبلُ، حتى تُوفِّيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .(مسلم 1134)

تلكم هي كافة روايات ابن عباس التي ذكرها البخاري ومسلم، والتي بيّنت أن النبي صلى الله عليه وسلم اهتم بمسألة صيام عاشوراء عند قدومه إلى المدينة، عندما وجد اليهود يصومونه ويعظمونه، ومعهم النصارى. على اعتبار أن يوم الصيام هذا أنجى الله فيه بني إسرائيل من فرعون ومن الغرق في اليم العظيم، وأغرق فيه فرعون وجنوده بيد قوية. وكان موسى قد صامه وأمر بصيامه، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه كذلك؛ ولم يكتف عليه السلام بصيام اليوم العاشر فقط وإنما وعد حسب الرواية بصيام اليوم التاسع أيضا، لكن المنية بادرته قبل حلول الموعد.

انفرد بن عباس بهذا الحديث وخالفه في روايته باقي الصحابة؛ ومنهم عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود، كما وردت روايات أخرى تنسب فعل هذه الشعيرة إلى معاوية بن أبي سفيان على عهده سنة حجه. والملاحظ أن الروايات المخالفة جميعا لم تجعل أي علاقة بين موسى وقومه وبين هذه الشعيرة؛ وإنما ذكرت أنها كانت من عادات الجاهلية قبل الإسلام، وأن النبي قد صامه قبل نزول رمضان، ولما نزل ترك صيامه.

صيام عاشوراء عند عائشة

وبالنسبة إلى عائشة رضي الله عنها، فقد أورد البخاري ومسلم حديثا من روايتها يبين أن صيام عاشوراء لم يكن من عبادات اليهود والنصارى، وإنما كان من طقوس المشركين، قبل أن يفرض صيام رمضان، ولما فرض صيام رمضان تخلى المسلمون عنه.

يقول البخاري: “كان يومُ عاشوراءَ تصومُه قريشٌ في الجاهليةِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يصومُه، فلما قَدِمَ المدينةَ صامه وأمَر بصيامِه، فلما فُرِضَ رمضانُ ترك يومَ عاشوراءَ، فمَن شاء صامه ومَن شاء ترَكَه”. (البخاري 2002).

وجاء في رواية أخرى: “كان يومُ عاشوراءَ تَصومهُ قُرَيشٌ في الجاهِليَّةِ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم يَصومُهُ، فلمَّا قَدِمَ المدينَةَ صامَهُ وأمَرَ بصيامِهِ، فلمَّا نَزَل رَمضانُ كان رَمضانُ الفَريضَةَ، وتُرِكَ عاشوراءُ، فكان من شاءَ صامَهُ ومن شاءَ لم يَصُمهُ”. (البخاري 4504 واللفظ له).

وجاء في رواية ثالثة: “كان عاشوراءُ يصام قبل رمضانَ، فلما نزل رمضانُ قال: (من شاء صام ومن شاءَ أفطر)”. (البخاري 4502). وتعددت ألفاظ الحديث، لكنها بينت جميعها أن صيام عاشوراء كان قبل الإسلام في مكة، وقبل نزول رمضان وليس بعده، وأنه لم يكن من عبادات اليهود والنصارى ولا كان مرتبطا بحادثة غرق فرعون ونجاة بني إسرائيل. كما بينت مع روايات أخرى أن صيام رمضان قد أسقط صيام عاشوراء. وبذلك يحصل تناقض كبير بين روايات عائشة لعاشوراء السابق لرمضان والذي صامته قريش في الجاهلية، وروايات بن عباس لصيام النبي صلى الله عليه وسلم له في آخر حياته، حتى أنه لم يصمه إلا مرة واحدة وتمنى لو صام مرة ثانية تاسوعاء؟؟

أورد مسلم من حديث عائشة قريبا من هذه الروايات، ومنها: “عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها؛ قالت: كانت قريشٌ تصومُ عاشوراءَ في الجاهليةِ. وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصومُه. فلما هاجر إلى المدينةِ، صامه وأمر بصيامِه. فلما فُرض شهرُ رمضانَ قال: “من شاء صامَه، ومن شاء تركَه”.

وفي روايةٍ: بنفس الإسنادِ. ولم يذكر في أول ِالحديثِ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصومُه وقال في آخرِ الحديثِ: وترك عاشوراء. فمن شاء صامَه ومن شاء تركَه ولم يجعلْه من قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كروايةِ جريرٍ .(مسلم 1125). وفي رواية أخرى: “أنَّ يومَ عاشوراءَ كان يُصام في الجاهليةِ. فلما جاء الإسلامُ، من شاء صامَه ومن شاء تركَه .(مسلم 1125).

وفي رواية أخرى أوردها مسلم لنفس الحديث جاء فيها: ” أنَّ قريشًا كانت تصوم عاشوراءَ في الجاهليةِ ثم أمر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بصيامِه حتى فُرِضَ رمضانُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “من شاء فلْيَصُمْه ومن شاء فلْيُفطِرْه”. وأضاف مسلم رواية ثالثة فقال: “كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأمرُ بصيامِه قبل أن يُفرضَ رمضانُ فلما فُرضَ رمضانُ، كان من شاء صام يومَ عاشوراءَ، ومن شاء أفطَر”.

عبد الله بن عمر وصيام عاشوراء

لم يكن حديث عائشة هو المخالف الوحيد لما جاء في حديث بن عباس، بل جاء حديث عبد الله بن عمر مؤكدا لحديث عائشة رضي الله عنها. في كون صيام عاشوراء كان قبل مجيء رمضان وليس بعده، وأن رمضان لما جاء ترك الناس صيام عاشوراء، وكان عبد الله لا يصومه باعتباره انتهى العمل به. وجاء في روايات عدة عن ابن عمر أنه كان من صيام الجاهلية قبل رمضان، ولم يذكر أن له علاقة بصيام اليهود ولا بحادثة غرق الفراعنة ونجاة الإسرائيليين.

أورد البخاري من حديث عبد الله بن عمر قال: “صام النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاشوراءَ وأمَر بصيامِه، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ تُرِكَ. وكان عبدُ اللهِ لا يَصومُه إلا أن يُوافِقَ صَومَه”. (البخاري 1892). وجاء في رواية أخرى عنه: “قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ عاشوراءَ (إنْ شاءَ صامَ). (البخاري 2000).

وأورد مسلم من حديث بن عمر أنه سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول، في يومِ عاشوراءَ: “إنَّ هذا يومٌ كان يصومُه أهلُ الجاهليةِ. فمن أحبَّ أن يصومَه فليصمْهُ. ومن أحبَّ أن يتركَه فليتركْهُ”. وكان عبدُ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُ لا يصومُه، إلا أن يوافقَ صيامَه. وفي روايةٍ: ذكر عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صومَ يومِ عاشوراءَ. فذكر مثلَ حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ، سواءً .(مسلم 1126).

وجاء في رواية أخرى في نفس الحديث عنده: “أنَّ أهلَ الجاهليةِ كانوا يصومون يومَ عاشوراءَ. وأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صامه، والمسلمونَ. قبل أن يُفترَضَ رمضانُ، فلما افتُرِضَ رمضانُ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ عاشوراءَ يومٌ من أيامِ اللهِ. فمن شاء صامه ومن شاء تركَه”.

وجاء في رواية ثالثة عن بن عمر أنه قال: “ذُكِرَ عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ عاشوراءَ. فقال: “ذاك يومٌ كان يصومُه أهلُ الجاهليةِ. فمن شاء صامَه، ومن شاء تركَه”. (مسلم 1126 واللفظ له، وانظر البخاري 4501).

وجاء بلفظ آخر من نفس الرواية: “كان يومًا يصومُه أهلُ الجاهليةِ. فمن أحبَّ منكم أن يصومَه فلْيَصُمْهُ. ومن كرِه فلْيدَعْه”.

معاوية بن أبي سفيان وصيام يوم عاشوراء

أما عن زمن إحياء العمل بصيام عاشوراء فكان بأمر من معاوية بن أبي سفيان لعلماء زمانه، من أجل أن ينشروه في الناس. وذلك في السنة التي حج فيها وهو خليفة للمسلمين. وكان اقتراحا منه غير مرتبط بواجب شرعي أوجبه الله ورسوله، وإنما كان ندبا منه لنفسه وللناس من بعده باعتباره الإمام الأعظم.

أورد البخاري حديثا من رواية عن معاوية بن أبي سفيان يدعو فيه العلماء إلى تفعيل أمر صيام عاشوراء تحت قيادته، جاء فيه: “أنه سَمِعَ معاويةَ بنَ أبي سفيانَ رضي الله عنهما يومَ عاشوراءَ عامَ الحجِّ، على المِنبَرِ يقولُ: يا أهلَ المدينةِ، أين علماؤكم، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ( هذا يومُ عاشوراءَ، ولم يُكتَبْ عليكم صيامُه، وأنا صائمٌ، فمَن شاء فليصُمْ ومَن شاء فليُفطِرْ). (البخاري 2003).

وجاء في رواية مسلم من حديث معاوية أنه قام “خطيبًا بالمدينةِ (يعني في قَدمةٍ قدِمَها) خطبهم يومَ عاشوراءَ فقال: أين علماؤُكُم؟ يا أهلَ المدينةِ! سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ (لِهذا اليومِ) هذا يومُ عاشوراءَ. ولم يَكتبِ اللهُ عليكم صيامَه. وأنا صائمٌ. فمن أحبَّ منكم أن يصومَ فلْيَصُمْ. ومن أحبَّ أن يُفطرَ فلْيُفطِرْ. وفي روايةٍ: بنفس الإسناد. سمع النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في مثلِ هذا اليومِ إني صائمٌ. فمن شاء أن يصومَ فلْيصُمْ” (مسلم 1129).

وفي ذلك إشارة إلى أن للسلطة الأموية دخلا في الدعوة إلى نشر صيام هذا اليوم اقتضاء بالإمام الأعظم والعلماء الذين يتبعونه، من غير فرض. والملاحظ أن معاوية كذلك لم يربط هذا الصيام باليهود ولا بموسى ولا بنجاة بني إسرائيل من الغرق الذي أصاب فرعون وآله.

حديث ابن مسعود

وجاء حديث عبد الله بن مسعود ليؤكد أن هذا الصيام لا علاقة له بموسى ودينه، وإنما هو صيام كان في الجاهلية وانتهى العمل به في الإسلام.

أورد البخاري حديثا عن عبد الله بن مسعود يبين للسائل انتهاء العمل بصيام عاشوراء، وأنه ترك منذ تشريع رمضان، يقول: “دخل الأشعثُ وهو يطعَم، فقال: اليومَ عاشوراءُ؟ فقال (يقصد عبد الله بن مسعود): كان يصام قبل أن ينزلَ رمضانُ، فلما نزل رمضانُ تُرك، فادنُ فكُلْ”. (البخاري 4503) واللفظ له، وانظر مسلم (1127).

وجاء في رواية مسلم من نفس الحديث ثلاث صيغ له، قال في الأولى: “دخل الأشعثُ بنُ قَيسٍ على ابنِ مسعودٍ. وهو يأكلُ، يومَ عاشوراءَ. فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ! إنَّ اليومَ يومُ عاشوراءَ، فقال: قد كان يُصامُ قبل أن ينزلَ رمضانُ. فلما نزل رمضانُ، تُرِكَ. فإن كنتَ مُفطِرًا فاطْعَمْ”.(مسلم 1127).

وجاء في الصيغة الثانية: “دخل الأشعثُ بنُ قَيسٍ على عبدِ اللهِ. وهو يتغدَّى. فقال: يا أبا محمد! ادْنُ إلى الغداء. فقال: أوليس اليومُ يومَ عاشوراءَ؟ قال: وهل تدري ما يومُ عاشوراءَ. قال: وما هو؟ قال: إنما هو يومٌ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يصومُه قبل أن ينزلَ شهرُ رمضانَ. فلما نزل شهرُ رمضانَ ترك.

وجاء في الرواية الثالثة: “أنَّ الأشعثَ بنَ قَيسٍ دخل على عبدِ اللهِ، يومَ عاشوراءَ. وهو يأكلُ. فقال: يا أبا محمدٍ! ادنُ فكُلْ. قال: إني صائمٌ. قال: كنا نصومُه، ثم ترك”.

وخلاصة القول: إن نسبة عاشوراء إلى موسى وبني إسرائيل حصل فيها تضارب بين الروايات الواردة في الصحيحين، وقد صفحنا عن ذكر مئات الروايات الواردة في غيرهما من المصادر، حسب الشرط الذي شرطناه. فإذا كانت رواية بن عباس قد ذكرت أن محمدا صلى الله عليه وسلم وجد اليهود والنصارى يصومون هذا اليوم لأنه يوم عظيم، صامه موسى ذكرى لنجاة بني إسرائيل من الغرق، وأمر بصيامه في آخر حياته؛ فإن باقي الروايات قد جعلت هذا الصيام من عبادات الجاهلية أو من عبادات ما قبل نزول رمضان.

بل إن بعضها قد منعته واعتبرت العمل به مُنته، كرواية عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود عند البخاري ومسلم. وفي جميع الأحوال، فإن صيام عاشوراء وعلاقته بموسى عليه السلام ونجاته مع قومه من الغرق يحتاج منا إلى مراجعة وشيء من التحليل والمدارسة والمقارنة مع المصادر الكتابية لإجلائه وبيانه.

تحليل وبيان

نعم، إن عاسور (עשור) أو عاسوراه (עשורה)، أو عاشوراء بالنطق العربي، هي مفردة عبرية تفيد “العاشر”. ويبدو، من أول وهلة، أنها وصف ليوم أورده الكتاب المقدس، وأن لها ارتباطا بتشريعات ذات علاقة بحادث نجاة بني إسرائيل وغرق الفراعنة، وخصوصا شريعة الفصح. يقول: “قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى وَهَارُونَ فِي ارْضِ مِصْرَ: «هَذَا الشَّهْرُ يَكُونُ لَكُمْ رَاسَ الشُّهُورِ. هُوَ لَكُمْ أوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ. كَلِّمَا كُلَّ جَمَاعَةِ إسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ فِي الْعَاشِرِ (عاسور: עשׂור) مِنْ هَذَا الشَّهْرِ يَاخُذُونَ لَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً بِحَسَبِ بُيُوتِ الابَاءِ. شَاةً لِلْبَيْتِ”. (سفر الخروج 12/1-3)؛ غير أن هذه الشاة لا تذبح في هذا اليوم العاشر وإنما تكون “عِنْدَكُمْ تَحْتَ الْحِفْظِ إلَى الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ. ثُمَّ يَذْبَحُهُ كُلُّ جُمْهُورِ جَمَاعَةِ إسْرَائِيلَ فِي الْعَشِيَّةِ”. (12/6).

هذا عن عيد الفصح، أما عن عيد الفطير فقد ارتبط كذلك بخروج بني إسرائيل من مصر، إذ أنهم بعد أن أعدوا فصحهم وذبحوا ذبيحتهم، حملوا خبزهم معهم فطيرا في رحلة الخروج التي بدأت في ليلة اليوم الخامس عشر من الشهر الأول، فاتُخذ هذا اليوم بداية أسبوع عيد الفطير: “وَتَحْفَظُونَ الْفَطِيرَ لأنِّي فِي هَذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ أخْرَجْتُ أجْنَادَكُمْ مِنْ أرْضِ مِصْرَ فَتَحْفَظُونَ هَذَا الْيَوْمَ فِي أجْيَالِكُمْ فَرِيضَةً أبَدِيَّةً.” (12/17). وكان العيدان معا تذكارا لهذا الحدث العظيم، لكنهما لم يكونا في العاشر من الشهر الأول، التي بدأت فيه فقط إعدادات الخروج.

كما يظهر أن التذكير بحدث النجاة لم يتم بواسطة الصيام، وإنما بطقوس أخرى؛ ومنها ذبيحة الفصح وخبز الفطير والامتناع عن استعمال الخميرة وإدخالها إلى البيوت طيلة أسبوع عيد الفطير: “وَيَكُونُ لَكُمْ هَذَا الْيَوْمُ تَذْكَارا فَتُعَيِّدُونَهُ عِيدا لِلرَّبِّ. فِي أجْيَالِكُمْ تُعَيِّدُونَهُ فَرِيضَةً أبَدِيَّةً. «سَبْعَةَ أيَّامٍ تَأكُلُونَ فَطِيرا. الْيَوْمَ الاوَّلَ تَعْزِلُونَ الْخَمِيرَ مِنْ بُيُوتِكُمْ فَإنَّ كُلَّ مَنْ أكَلَ خَمِيرا مِنَ الْيَوْمِ الاوَّلِ إلَى الْيَوْمِ السَّابِعِ تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ إسْرَائِيلَ.” (12/14-15). كما أن العديد من التشريعات والطقوس ارتبطت بهذا الحدث، ومنها ما يربطه اليهود في أيديهم وعلى رؤوسهم وأعينهم من خيوط وجلود وقطع مختلفة أثناء صلواتهم المرتبطة بهذا الحدث، يقول: «وَتُخْبِرُ ابْنَكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِلا: مِنْ أجْلِ مَا صَنَعَ إلَيَّ الرَّبُّ حِينَ أخْرَجَنِي مِنْ مِصْرَ. وَيَكُونُ لَكَ عَلامَةً عَلَى يَدِكَ وَتَذْكَارا بَيْنَ عَيْنَيْكَ لِتَكُونَ شَرِيعَةُ الرَّبِّ فِي فَمِكَ. لأنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أخْرَجَكَ الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ. فَتَحْفَظُ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ فِي وَقْتِهَا مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ.” (13/8-10)

وفي جميع الأحوال، فإن نصوص الكتاب المقدس وتقاليد وأعياد وطقوس اليهود تؤكد أن صيام عاشوراء لا علاقة له بحدث النجاة الإسرائيلية من غرق العبور، ولا بالطقوس المشرعة لهذا الحدث عند بني إسرائيل؛ وهو ما يجعل روايات ابن عباس الرابطة بين صيام عاشوراء وبين حدث العبور محل نظر ومراجعة، ويؤيد الروايات الأخرى المعترضة التي صفحت عن هذا الربط ولم تذكره.

عاشوراء أو عاسور עשור هو يوم الكفارة (יום הכפרים) أو يوم الغفران

إذا كان حدث العبور وإنجاء بني إسرائيل من الغرق وإغراق الفراعنة لم يحدث في اليوم العاشر، ولم يسجل ذكره بصيام، فإن هناك حدثا في التاريخ والتقاليد اليهودية لا يقل أهمية عن معجزة الخروج، وهو يوم التكفير عن صناعة عجل الذهب وعبادته، وقد أصبح عيدا يكرر كل سنة ويتوجه فيه بنو إسرائيل إلى الرب بالتوبة والاستغفار. جاء في سفر اللاويين قوله: “وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «أمَّا الْعَاشِرُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ السَّابِعِ فَهُوَ يَوْمُ الْكَفَّارَةِ. مَحْفَلا مُقَدَّسا يَكُونُ لَكُمْ. تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ وَتُقَرِّبُونَ وَقُودا لِلرَّبِّ. عَمَلا مَا لا تَعْمَلُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ لانَّهُ يَوْمُ كَفَّارَةٍ لِلتَّكْفِيرِ عَنْكُمْ أمَامَ الرَّبِّ إلَهِكُمْ. إنَّ كُلَّ نَفْسٍ لا تَتَذَلَّلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ تُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهَا. وَكُلَّ نَفْسٍ تَعْمَلُ عَمَلا مَا فِي هَذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ أبِيدُ تِلْكَ النَّفْسَ مِنْ شَعْبِهَا. عَمَلا مَا لا تَعْمَلُوا. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أجْيَالِكُمْ فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ. إنَّهُ سَبْتُ عُطْلَةٍ لَكُمْ فَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ. فِي تَاسِعِ الشَّهْرِ عِنْدَ الْمَسَاءِ. مِنَ الْمَسَاءِ إلَى الْمَسَاءِ تَسْبِتُونَ سَبْتَكُمْ». (سفر اللاويين 23/26-32).

والملاحظ أن صيام اليوم العاشر (عاسور עשור) يبدأ من مساء اليوم التاسع ويستمر إلى مساء اليوم العاشر، وهو ما يتوافق مع ما جاء في الروايات الإسلامية عن صيام اليهود في اليوم التاسع والعاشر من الشهر، وبذلك يجمع يوم عاشوراء، عند اليهود صيام ليلة اليوم التاسع ونهار اليوم العاشر، وهو ما اعتبره المسلمون صيام يومين اثنين، التاسع والعاشر (تاسوعاء وعاشوراء) كما جاء في بعض الرويات. وقد سمى بعض رواة المسلمين اليوم التاسع تاسوعاء كذلك، على الرغم من أن صيغته ليست مثل صيغة عاسور עשור العبرية.

وبذلك تكون الروايات الإسلامية قد نقلت صيام يوم التكفير أو الغفران، المرتبط بذكرى استغفار موسى لقومه بسبب عبادتهم للعجل وغضب الله عليهم، إلى ذكرى نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون وجنوده في اليم؛ ونسبوا هذا الصيام والأمر به إلى النبي موسى، ثم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، الذي صامه كذلك وأمر بصيامه؛ بل إنه صام اليوم العاشر ووعد بصيام اليوم التاسع كذلك، لكن المنية حالت بينه وبين ذلك.

ربما يكون سبب هذا الخلط هو تسمية الشهر الذي وقعت فيه حادثة العبور بالشهر الأول، في سفر الخروج، إذ جاء فيه: “هَذَا الشَّهْرُ يَكُونُ لَكُمْ رَاسَ الشُّهُورِ. هُوَ لَكُمْ أوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ. كَلِّمَا كُلَّ جَمَاعَةِ إسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ فِي الْعَاشِرِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ يَأخُذُونَ لَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً بِحَسَبِ بُيُوتِ الآبَاءِ. شَاةً لِلْبَيْتِ” (الخروج 12/2-3). وكذلك الأمر عند المسلمين، ارتبطت لديهم ذكرى عاشوراء بالشهر الأول محرم من السنة الهجرية، وبالعاشر منه עשור. وربما يرجع سبب تبديل مناسبة الحدث من الاستغفار من خطيئة العجل وغضي الرب إلى الشكر على الإنجاء من الغرق؛ هو كون الخطيئة الإسرائيلية سلبية، وخاصة وهم يريدون التخلص منها ومن تبعاتها وذكراها، ومن غير اللائق أن يقول محمد صلى الله عليه وسلم مثلا: “هذه ذكرى عظيمة وقعت لنبي الله موسى وأنا أولى به؟ أو شيء من هذا القبيل. بينما كان فضل الإنجاء ذكرى إيجابية، ينبغي التذكير بها وتعميمها، ويليق أن يشكر عليها النبي محمد وأتباعه مثل ما شكر عليها موسى وذكرها؟.

ولعل سبب المشكلة التي وقعت للمسلمين في اعتماد يوم عاشوراء اليهودي المتعلق بمناسبة الاستغفار والتكفير عن غضب الله وعبادة العجل، وتحويله إلى المناسبة التي نجا فيها موسى وبنو إسرائيل من فرعون ومن الغرق في اليم؛ يرجع إلى كون الشهر السابع هو رأس سنة (ראש השנה) اليهود الفلاحية، الذي يُحتفل فيه بجمع الغلال وعيد المظال، وفي يومه التاسع والعاشر (עשור) يأتي عيد الغفران، وهو الذي يصومه اليهود فريضة دون غيره من الأيام.. وهو يماثل شهر رأس السنة الإسلامي محرم الذي يبدأ به التقويم الهجري.

وقد جاء في نصوص ذكر مناسبة النجاة وعيدي الفصح والفطير ما ينص على أنها تحيى في الشهر الأول في السنة العبرية، وأن بداية عيد الفصح يقتنى فيه القربان في اليوم العاشر من الشهر الأول ويحفظ إلى ليلة اليوم الرابع عشر حيث يذبح.

هناك مشكلة أخرى وقع فيها المُبدّلون لمناسبة يوم عاشوراء، وتتعلق بالاختلاف بين الشهر العربي القمري الذي يتبناه المسلمون، والمرتبط بالسنة الهجرية المكونة من اثني عشر شهرا: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم”.

وبين الشهر العبري القمري مع السنة العبرية الشمسية؛ حيث اعتُمدت في تحديد أيام الشهر العبري رؤيةُ الهلال، مع مراعاة يوم السبت وإضافة يوم أو أكثر ليتواطأ معه، واعتُمد في تحديد سنته الدورةُ الشمسية، حيث يضيفون شهرا إلى شهور السنة القمرية مرة كل عدة سنوات ليواطئوا الفارق بين السنتين القمرية والشمسية، وليحافظوا على مواعيد السنة الفلاحية المرتبطة بالزرع والحصاد وأعيادهما.

وتسمى السنة التي تضم ثلاثة عشر شهرا سنة كبيسة. وهو ما يخالف الشهور في الإسلام باعتبارها شهورا قمرية، ومنها الشهر الأول محرم، وهي شهور تتحول في فصول السنة وفق نظام محدد يتراجع سنويا بما يقارب الأسبوعين من الأيام عن السنة الشمسية، خلافا للشهور العبرية الثابتة في فصولها والمتحولة داخل الفصل الواحد بما يزيد على ثلاثين يوما أحيانا.

كما يلاحظ أن التقويم العبري، بفعل محاولات الجمع بين نظامين طبيعين مختلفين من التقويم، قمري وشمسي، أحدث اضطرابا كبيرا في المواقيت، حيث أصبح عيد الغفران المرتبط بوقت الحصاد وجمع الغلال، يقام في شهر تشري العبري (أكتوبر ونونبر) أي في بداية الموسم الفلاحي وليس في نهايته. وفي جميع الأحوال، فإن يوم عاشوراء الإسلامي لا يمكن أن يرتبط بيوم عاسور اليهودي لاختلاف التقويمين. ومن ثم، فلا تصح روايات الجمع بين المناسبتين ولا تصلح.

وخلاصة القول، فإن حديث صيام عاشوراء لم يكن إلا محاولة مغرضة لنقل يوم إسرائيلي إلى أيام المسلمين، باسم نجاة موسى وقومه من الغرق؛ لكن المحاولة فشلت. وبعد المراجعة والتحليل، تبين أن المناسبة كانت عيدا يهوديا يسمى يوم التكفير أو الغفران (كيبور)، لا يزال مستمرا صيامه عند اليهود إلى اليوم، وتدوم مدته من مساء اليوم التاسع إلى مساء اليوم العاشر، ويتبين عدم صحة نسبة هذا الصيام إلى نجاة موسى مع قومه، ولا نسبة هذا الحديث إلى محمد وشريعته.